ما بعد الغربة ... (الدليل) - الجزء الرابع

من قصص عارف

معصمي الأيسر مقيد بحافة كرسي ثقيل ... عيني التي أحرقتها رائحة مواد تنظيف يقوم رجل بمسح الأرضية بها ...تركّز على صورة كبيرة عليها شعار الجمهورية ... صبورة خضراء عليها تعليمات معلّقة ...

لا أحد أعلمني بما يجري ... عون صغير بالسن أخبرني أني سأعرض غدا على قاضي التحقيق ... ذكريات القبض عليا في فرنسا تعود لتتراقص أمامي ... أوّل كلمة تسمعها هي نصّ التهمة ... ثم تتلى عليك حقوقك ...

هنا يقبض عليك ثم يتوجب على العقل مراجعة الأخطاء من يوم سرقت قلما لزميلتك في السنة الأولى من تعليمك حتى الحين ... الجوع والخوف و القلق يسيطر عليا ...

تعاطف العون معي ... لم يدخلني لغرفة الحجز ... كما سمح لي بشراء لمجة وقهوة وسجائر ... أعتقد أنه تقاسم باقي الخمسين دينارا مع رجل التنظيف الذي تولى تلبية طلبي ...

إسورة حديدية بدأ ضغطها يؤلم عظام معصمي ... سكون يخيم على بهو مركز الحرس ... نجوم تتلألأ متحدية قضبان الشبّاك ... نفس دخان ضعت فيه ... سنين طويلة مقيّدة ... صوت جرس الهاتف جذبني للواقع ... مفهوم ... هذا ما سمعت ...

صوت كف عون التحقيق يضرب على الطاولة ... يريد تبريرا عن عودتي من الخارج ... لست مسجّلا في سجلات المغادرين ... عون آخر يتهمني بالعودة من إحدى بؤر التوتر بالشرق ...

وثيقة إطلاق سراحي من السجن بفرنسا بين يديه ... تاريخ السجن وتاريخ إطلاق السراح ... أن كنت لا تفهم الفرنسية إقرأ الأرقام ... عون لا يفهم الفرنسية ... غريب أمر الإنتدابات في بلدي ...

تدخّل زميلة لهم كان كفيلا بإطلاق سراحي يدي من أغلالها ... هكذا كان إستقبالي بمطار تونس قرطاج ...

صوت إرتطام حديد السلسلة بالكرسي سحب رأس العون من فوق دفتر يتوسده للنوم ... نظرته كأنها التهديد الأخير لي .. كنت حذرا أن لا أزعجه فيكون مصيري غرفة الحجز.

ألقيت راسي على الحائط وأغمضت عيني ... هدوء السجون تعودّت به ... صوت فتح الأبواب يشير إلى بداية يوم عمل بعد ليلة ثقيلة ... مؤخرة راسي ومؤخرتي تعانيان أثر الكرسي ...

تقدّم مني عون ... يمسك هاتفي وأوراقي ودفترا بين يديه ... وجهه ومعاملته تؤكد أنه مهذب رغم صرامته ... مقيدين بنفس السلسة يقودني لسيارة الترحيلات ... أعلمني أنه بإمكاني الإتصال بأي شخص يمكنه مساعدتي ...

حنان هي أوّل من خطر ببالي ... أصلا رقمها هو الوحيد المسجّل بالهاتف ... صوتها يغلبه النعاس وهي تؤكد لي أن لا أخشى شيئا ستتصرّف ...

محامي أقرع يقاتل قاضي التحقيق الذي هزمت حججه أمام دفاع خبير ... متهم بتنظيم رحلة غير شرعية ... أثار عجلات عربة المركب التي وجدت على الشاطئ تؤكّد أنها خرجت من بيتي ...

المحامي قلب التهمة لإتهام .... نبيل سرق قارب ورثته من جدي وإستخدمه للهجرة ... مسكين هذا الشاب لو نجا من بطن الحوت سيسكن بطن سجن لمدة طويلة بتهمة لم يرتكبها ...

حنان قالت أنه الحل الوحيد ... أنا كنت سأسجن لتهمة لم أرتكبها ... هكذا قالت وهي توصلني لبيتي ...

أثار عبث نبيل ورفاقه بالمخزن ظاهرة ... كيف لم أنتبه لذلك مساء أمس ... حمام ساخن تلاه نوم مضطرب ... ليلة قضيتها مرعوبا بمركز الحرس دفعتني لغيبوبة أشبه بالنوم ....

حنان تصفع وجهي ... كلماتها وهي تصرخ في السيّارة أن الدنيا تغيٍّرت .... كيف تثق بمن لا تعرفه ... واقع قريب يتداخل في نومي ... خالي يقفل باب بيته في وجهي قال أنه ملّ من كثرة أخطائي ...

أحلام تدهن زبي بكريمات تخلطها من العلب الكثيرة ... زبي بدأ يتضخّم حجمه ... شيراز تتسلّقه محاولة اللحاق بسمر التي إشتعل كسها وهي تشوي الذرة فيه ... حبّات الذرة تتطاير متفتحة لتسقط بين صدر أحلام الذي بدأ حجمه يتضاعف ...

نبيل يتعلّق بحلمتها محاولا النجاة من أمواج بحر عاتية قبل أن تلتهمه سمكة قرش ضخمة رأسها بوجه جيهان ...

صوت منبّه سيّارة يهز جسدي ... إرتعاشة صحبها بلل بين فخذي ... المنبه صوته يزداد ممزوجا بنداء من حلق قوية ...

شاحنة بيضاء كبيرة لنقل البضائع تقف أمام باب الحديقة ... رأسا رجلين يطلان من بين قضبانه ... رجل يعتذر مني لتأخر وصول طلب كان يفترض وصوله يوم أمس ... نصف يوم كامل تطلّب تركيب الأثاث وإعادة ترتيب البيت ...

لم يسعدني تغيّر شكل بيتي ... الجوع جرّني وسط القرية ... عشيري داخل المقهى مهللا بالإفراج عني ... قال انه سمع بخبر القبض عليا ...

لم أستطع كتم لومه على عدم التدخّل أو السؤال عني ... تبريره بأن العلاقة المتوترة دائما بين رجال الأمن والعسكريين منعته من مساعدتي .... حجته ضعيفة ...

صرت أمقت تواجدي مع الذكور ... الرجولة مواقف ... كيف أطلب الشهامة ممن إستغل إنكسار من لجأت له ظنا بأزلية علاقة الصداقة ...

طريق طويلة من المقارنة بين موقفه وموقف حنان ... مشاعري تحرقها المواقف ... ضياع سمر مني ... شهوتي لها غير مبررة ... هيفاء لم تروي عطشي بل أيقظت مارد يرقد في فانوسه منذ عقود ...

عطشي دفعني للبحث عن رقم النادلة في هاتفي ... رقم واحد مسجّل هو رقم حنان ... تعجبّت من الأمر ... رأيتها تسجل رقمها أمام حمام الكافيتيريا... قلة خبرتي في الهواتف حيرتني ... ربما إتصلت بنفسها ثم فسخت رقمها لغرض في نفسها ....

إنتظرت إتصالها ... يومان من الحبس الإختياري بالمنزل ... أشغل نفسي بالعناية ببعض نبتات في الحديقة ... نومي تسكنه الكوابيس التي لا لون لها ... الإحتلام في سن الأربعين محرج ...

حرارة ظهيرة اليوم الثالث سحبتني للبحر ... جسدي ينعم بمائه البارد وروحي تحترق بأطلال القصب .... كانت مسرحا لليلتي حب عقيمة ...

أين هي ؟؟؟ ترى هل دخلت البيت حقّا ؟؟؟ هل كان حلما ؟؟

الرجل النحيل يصلح ما أفسده الموج من سور قصبي لأرضه ... أعتقد أنه زوج سعاد ... أشحت وجهي خجلا أن يتعرف على من تلصص على حرمة مسكنه يوما ...

صورة قارب الهادي تشق سطح الماء نحوي ... ناداني ... صعدت معه لجولة ترحم عقلي وقتيا ... الألم يشد بطني من ضحكي من طرافته ... وحلقي يحترق من أثر سجائره الرخيصة ...

إنتهت رحلتنا كالعادة في الميناء ... عاري الصدر حافي القدمين ... قهوة وسجائر مهرّبة ... أسنان مصفرّة تضحك ... مجالسة البحّارة مسليّة ... وجبة دسمة من مرقة الهادي ....

طريق طويلة تورمت فيها بطن قدمي من كثرة الحصى التي أتعثّر فيها .... دكّان يبيع مستلزمات البحر جذبني أطّلع عليه ... طرّاحة جديدة على كتفي ... قال صاحب الدكان انه يمكنني دفع ثمنها متى شئت ..

بعد العصر جالسا بركن الكيف ... أتكيّف مع وضعي الجديد ... الجفاف يحرق صدري ... يدي تعبث بسلسلة المفاتيح التي أعادها لي خالي ... مفتاح شقتي بمدينة كان ... مفتاح صغير لصندوق مراسلات لم تصله رسالة قط ....

مفتاح على شكل صليب ... قساوة معدنه وندرة شكله ... جعلت المحقق يسألني آلاف المرّات عما يكون ... مفتاح الخزنة ... لو بحت له بسرّه لقتلتني المافيا ... هذا هو القانون ...

بيض مقلي وصدور دجاج جاهدت لتحضيرها على موقدي الجديد ... العلاقة بين بطني وجفني متلازمة ... تشبع الأولى فتنسدل الثانية ...

مشدوها من كابوس لا ملامح فيه إنتهى بدوائر تزيّن قماش أسفل بطني ...

قهوتي تفوح ... دخان سيجارتي يختلط بصور برنامج يبث على قناة خاصة ... شريط الأخبار يشير أنها الحادية عشر ليلا ... عاريا من كل قيود الإرتباط بالزمن ... تائها لا ذكريات ماضي ولا أحداث حاضر ولا ملامح للمستقبل ...

صوت غريب يرنّ في أذني ... مصدره غرفة النوم ... ضوء أخضر يقطع ظلمتها ... رقم غريب على شاشته ... جزمت أنها النادلة تتصل ... لا أحد يعرف رقمي غيرها وحنان ... صوت هامس من الجهة الأخرى ...

- ألو ؟؟ دليل ؟؟ عرفتني ؟؟ (الصوت الخافت يدلّ كونه لأحلام لكني إدعيت عدم معرفة صاحبته) طيب حزّر مين ؟؟

- سلاف ؟؟ وردة ؟؟ شيرين ؟؟؟ (مجموعة طويلة من الأسماء كلها لمطربات)

- يخرب بيتك ؟؟ كل دول بنات تعرفهم ؟؟؟ وعرفتهم إمتى ؟؟؟

- طيب قولي مين قبل ما اسمي الباقي ؟؟

- واضح إنك ما ضيعتش وقتك بس ضيّعت فلوسك ؟؟

- وهي الفلوس مجعولة عشان إيه ؟؟

- عشان تستثمرها ؟؟ مش عشان تضيعها ؟؟ أنا احلام مرات خالك ؟؟؟

- (متظاهرا بالإرتباك) مش كنتي تقولي في الأوّل عشان ما اوقعش في الغلط ... جيبتي رقمي منين

- أنا طلبت نفسي من عندك قبل ما تروّح (تذكّرت أني نسيت الهاتف ساعتها) أخبارك إيه ؟؟

- تمام وإنت وخالي والأولاد أخباركم إيه ؟؟

- كلهم بخير ... خالك نايم والأولاد بكرة يرجعوا المدارس ... طيب طمني الأمانة لسة معاك ؟؟

- أمانة إيه ؟؟ (تذكّرت كيس المراهم ... قمت أجلبه من الغرفة لا أدري لماذا) أه لسة معايا ؟؟ إنت عاوزاه دلوقتي ؟؟

- لا مش دلوقتي خالك يرجع بعد أسبوعين

- طيب إنت بتكلميني بشويش ليه ؟؟؟

- عشان خالك ما يقفشنيش ؟؟ ممكن يفكّر بحاجة غلط

لا أدري ما السر الخفي ... إذا كلّمك أحد هامس تردّ عليه هامسا ... صوتها وهي تغافل خالي وتكلّمني يسري في عنقي كذبذبة تيّار لذيذ ...

مسحوبا في كلامها وهي تعلمني أن الكثير من الطلبات تنتظر التلبية ... حوالي ساعة ونحن نهمس ... قطعت إتصالها فجأة ...

الهاتف في يدي اليمنى ... مستلقيا على الأريكة عاريا ... سحبت يدي كمن صعقته الكهرباء ... يدي تداعب زبي الذي إنتصب معلنا للسقف محاولة الوصول له ...

لم أتذكّر كيف إنسلّت يدي تداعب قضيبي ومتى ؟؟؟ ولماذا ؟؟

نوم عميق دون كوابيس ... زقزقة العصافير تعلن عن طلوع الفجر ... خوفي من كآبة يوم طويل دفعني للبحر بعد إشباع رغبة بطني ... شبكتي على كتفي أراقب أسماكا تقترب من الشاطئ ..

جدّي علّمني تلك الميزة ... أسماك البوري تلمع حراشفها تحت الضوء يمكن لمن خبر الأمر رايتها وهو على الشاطئ ...

خطوتان سريعتان بحذر ... عيني تراقب إنفتاح الشبكة وسقوطها فوق السرب ... يدي تسحب الحبل مزهوا بإنتصار لم أكتشف نتيجته بعد ...

ثقل وزنها يعلمني بصيد وفير قبل صورته يقفز وسطها ... على الرمال أحاول فتحها ... صوت من ورائي يعلن " صباح الخير والرزق " ...

سعاد تقف ورائي ... بنطالها القماشي الأزرق مشمر حتى ركبتيها ... صدرها يهتزّ أمامي وهي تنحني لتراقب صيدي ...

كسها الضخم يطل حجمه من فتحة رجليها وهي تحاول التوازن ... جفاف مضاعف في حلقي غابت معه الكلمات

- الخير بيجي على وجوه الخير ...

- طيب إن كان كده يبقى دول نصيبي ... (أخذت سمكتين تجاهدان للإفلات من يدها)

- خوذيهم كلّهم ...

- داه كرم منك ... بس داه كثير

- مش كثير عليكي ... كفاية نفسك في الطبخ ..

- طيب أنا حآخد دول (أضافت سمكتين) أطبخهم عشانك بس ... بس

- في حاجة ؟؟ مشكلة يعني ؟؟

- لا أبدا بس زوجي في البيت ... مش عاوزاه يشك في حاجة ؟؟

- إنت بيتك فين ؟؟

كانت تسير بجانبي ... يدي مثقلة بحلقة علّقت فيها أسماكي ... وصلنا أمام البيت ... رغم أن المكان خال لكنها رفضت دعوتي في الدخول ...

قالت أنها ستزورني بعد المغيب ... زوجها يعمل بالليل ... يغادر على الساعة الخامسة ... ستحتمي بظلمة الليل من عين ترصدها صدفة ...

قلبي ينبض بين فخذي لمجرّد فكرة زيارتها لي بالليل ... طلبت رقمي ثم تراجعت قالت أن رصيدها خالي ... تركتها أمام الباب ... صعدت بسرعة للبيت ...

سحبت رزمة من الأوراق النقدية من جيب بنطالي والهاتف وعدت مسرعا ...

صدمت لما وجدت الطريق فارغا ... مرارة ضياع سمر تعود لحلقي ... خيالها يقابلني على شاطئ البحر ... قالت أنها تخشى على سمعتها ... علينا أخذ الحذر ...

وضعت ورقة نقدية في يدها لتشحن رصيدها ... أخذتها بعد تردد .... والهاتف تسجّل فيه رقمها .... أعادت لي الأسماك ... ستتكفل بالطبخ في بيتي ...

أمضيت المساء أنظّف الأسماك ... نظّفت البيت ... عطّرته ...

لا أعلم سرّ نشاطي ... حملة تسوّق أنفقت فيها بقي من قيمة تغيير العملة عند الشاب ... كنت نسيت أمرها .. الثلاجة تعج بالخيرات ... كما رفوف المطبخ ... ربما إثارة أن تزورني سعاد ليلا ....

عقارب الساعة تشير للسادسة ... موعد الإتصال بها ... هدير الموج في هاتفي يعلمني أنها في الطريق ... تقفز أمامي في درجات البيت ... مؤخرتها الطرية تتأرجح مع خطواتها ...

تقف أمامي تستطلع البيت ... وأنا اكتشفها..... بنطال منزلي من القطن ... سترة صوفية تحميها نسمات ليل الخريف ... دخلت للغرف تتفقدها ... أبدت إعجابها بالسدة التي أنام فيها ... تشجعّت وقلت لها انه يمكنها النوم فيها متى أرادت ...

نظرة عينها أخصت أحلامي ... طلبت مني أن ارتاح في الصالون... ساعة ألوم فيها نفسي على سوء تفسيري ...

باب المطبخ يفتح رائحة الكسكسي بالسمك تسبق قدومها ... تحمل طبقا فيه شاي أخضر ... قالت انه سيفتح شهيتي ...

بطني تؤلمني من جوع يوم كامل وضميري يصفعني ... تأسفت منها على إزعاجها ... كان عليا أنا واجب الضيافة ... قالت أنها تعلم أني أعيش لوحدي ...

تقطيب حاجبيها وهي تعلمني أن ذلك سبب زيارتها لي ... زاد من حرقة المرارة في حلقي... تريد مساعدتي بأشغال البيت ... شعور بالندم لازمني ...

ساعة تعذبت فيها من متابعة مسلسل على شاشة التلفاز ... جلستها عادية ... عذابي يزداد مع رائحة الطعام تؤجج نار جوعي ...

طاولة تعج بالخيرات والغلال والسلطات... وعاء تزينه أنصاف الأسماك ... الترتيب ولمسة الأنوثة تسيل اللعاب ... إختيارها للجلوس مقابلتي حسم النزاع في عقلي ...

إمتلأت البطون ... نظّفت كلّ شيء ... وضعت الباقي في الثلاجة ... غداء يوم الغد ... قالت ونحن نشرب شاي مزينا بحبات لوز ... أن زوجها يراوح في عمله بين الليل والنهار ... ستقوم بخدمتي حسب عمل زوجها ...

رفضت أخذ ورقة نقدية دسستها في يدها بعد أن ودعتها متأكدا من خلو المكان ... موقفها زاد في دهشتي ...

تخلّصت من ملابسي ... دفنت سيجارتي في رمادها بعد إلحاح جفوني ... صوت الهاتف يدخل كابوسا بدأت تختلط ألوانه ...

أحلام تهمس من الجهة الأخرى ... قالت أن زوجها نائم ... ساعة أو أكثر في همس طويل ... حديثها لا جديد فيه ... لم أجد سبب لمكالمتها ...

إنتهت المكالمة كسابقتها ... نفس الحالة يدي تلاعب قضيبي ... لا أعلم ما سرّ ذلك ... نوم عميق غرقت فيه... يبدو أن الكوابيس تطردها عذوبة صوت أحلام ...

يوم طويل مراوحا بين البحر وبين البيت ... زيارة ليلية من سعاد ... زيارة عادية سوى أنها أطالت المكوث ... قالت أنها تملّ من السهر وحدها ...

رفضت ثمن خدمتها ثانية ... قالت أنها لو إحتاجت ستطلب ...

أجفاني مثقلة من ثقل بطني ... نوم متقطّع ... كوابيس ملوّنة ... مفزوعا مما جاد به خيال مؤلف كوابيسي المسطول ... الساعة الثانية والنصف صباحا ... غياب مكالمة أحلام ... يقلقني ...

ربما خالي دعاها لواجب زوجي ... أمسكت الهاتف أقلّبه ... فكّرت آلاف المرّات أن أتّصل بها ... لكني تراجعت ...

تخيلي لها على الفراش مع خالي طرد النوم من عيني ... مرارة وحقد يغلي في صدري دون مبرر ... أنوار الفجر تدعوني لشاطئ البحر ... أنثى سمك بوري تعلق في شبكتي ضمن أول دفعة ...

الصيد بالأنثى ... طريقة تقليدية ... تربط الأنثى من فمها بخيط صيد متين ... تطلق سابحة في المياه ... الصياد يتحكم بمسارها من طرف الخيط ... رائحتها تسحب الذكور ....

بخيط صيد وجدته في المخزن ... كثير من الذكور إنتهى أملهم بالتزاوج بمصارعة الموت تخبطا على رمال الشاطئ ...

كمية هائلة من السمك تنهي آخر محاولتها التشبث بالحياة بجانبي ... أصلا لا مكان لها بثلّاجتي ... 3 أكياس كبيرة ثقل وزنها ...

حنان التي أمطرت سمعي بشتم من لا يتصّل بها إلا لحاجته ... قادتني للمدينة بعد تغيّر ملامحها من ثقل حجم الهدية ... العاشرة صباحا ...

ودعني دخان سيّارتها عند باب بيت خالي ... كل درجة أصعدها يزيد خفقان قلبي ... أمعائي تتعصّر ببطني ... فتح الباب ...

سيّدة لم أشاهدها من قبل ... تنادي أحلام تعلمها أن تاجرا للأسماك بالباب ... خجلها من ضحك أحلام وهي تعرفها بي دفعها للإعتذار ... إعتذار سبق التعارف ...

فيروز زوجة أخ أحلام ...

إلتحقت بخالي وصهره لشرب القهوة .... سعيدا بهديتي الثمينة ... أصرّ على مرافقتي لبيتنا بعد رفضي الدعوة لتناول الغداء ...

صهره وزوجته خرجا قبل خروجنا ...

سعيدا برؤية أحلام ... مجبور الخاطر بمعرفة سبب عدم إتصالها ... زيارة عائلة أخيها هي السبب ...

مجاورا لخالي في سيّارته .... قضيبي منتصب لذكرى صورة يد زوجته تشير ببسبابتها ثم بخنصرها وإبهامها أن موعد مكالمتنا الليلة ...

أمي ترحّب بنا ملئ شدقيها ... قالت أنها لم ترى كمية من السمك كهذه تدخل مطبخها منذ وفات والدها ... ذكريات عز ثلاثتنا تحت ظل المرحوم تتوالى ... أغلبها مشتركة بيني وبين خالي ...

أمي تأكّد أن خالي يحبني كإبنه ... مرارة صورة زوجته تواعدني لمؤانسة بريئة تهز كياني ... المرارة تذوب في حفاوة إستقبال دليلة لعمها المحبوب ... لبس المدرسة الجميل يزيدها تألّقا ...

إطنابي في شكر شيراز على نفسها في طبخ ما جلبت خفف من نظرات الريبة من تحت نظّارتها ... حسن أخلاق دليلة ... دفعني لشكر من قامت بتربيتها ...

قرصة من يد أمي على ذراع أخيها حبست كلمات كانت ستخرج منه ...

جلسة عائلية ... سعادة أمي منعتني من ممارسة متعتي في تنغيص مساء إخوتي ... أمي كلامها غريب ... أحيانا تكلّم خالي كأنه والدها و تكلمني كأني أخوها أو أحد إخوتي ...

خالي يودعني بعد أن أصرّ على إيصالي ... قال انه يتوجب عليا زيارته قبل سفره ...

سعاد التي يئست من قدومي ... تطالب بمفتاح للبيت يحميها عيونا قد ترصدها في صورة تكرار غيابي ...

كثرة الأكل في بيتنا بين غداء وفواكه خلال المساء منعني من التمتع بطواجن لذيذة ببيض أنثى السمك أعدته سعاد ...

أصرّت على إطعامي بيدها حتى أخر لقمة في الطبق ... معاملتها لي كطفل خلقت جوا من الحميمية ...

معرفة سطحية سرعان ما تحوّلت لتآلف غريب بيننا ... أسماء أبطال مسلسلها تتسابق معلنة نهايته ... طلبت أن تسهر معي إن كان لا يزعجني ... لا تشعر بالنعاس و ستمل من وحدتها ...

ساعة أو يزيد ... بين قصص إختلقتها عن مشاريعي وحياتي بالخارج ... وبين صدق معانتها بالداخل ...

قالت أن الوحدة ستقتلها ... تشجعت وسألتها عن سر عدم إنجابها لأولاد يؤنسون وحدتها ...

عاقر ... صوتها يملأه الألم وهي تشكو شوقها للأولاد ... قالت أن بنات شقيقتها يعوضون النقص في حالة وجودهم ...

أطنبت في شكر أخلاق الأولى بينما تشتكي من جموح الثانية ... سمر ... فرصة لأتقصى أخبار حبيبتي المفقودة ...

- إلا قوليلي هي سمر راحت فين ...

- دي رجعت بيتهم ... من حوالي اسبوع ... تجننا البنت دي بعمايلها

- بالعكس دي مؤدبة ومخها أكبر من سنها

- أهو مخها داه سبب جنانها ...

- الجيل داه كله كده ... هي بتدرس في إيه

- مخها لاهو في تعليم ولا حاجة ... كل أحلامها تهج مالبلد ... كل ما تشوف واحد عايش برّة تشبط فيه ...

- (كلامها آلمني ) طيب وفيها إيه ؟؟ في بنات كثير إتجوزو وسافرو وعايشين برّة ؟؟

- دي بنت مجنونة ؟؟؟ دي تنفع تتجوز ؟؟؟ أوّل الصيف راحت لجارهم عايش في إيطاليا طلبت منه يخبيها في عربته ويأخذها معاه ... تصوّر ؟؟

- يا خبر

- زي ما بقلّك كده ... الراجل متزوّج وكانت حتعمله مشاكل مع مراته ... لولا جبتها هنا ممكن حصلت مصيبة

راحت تروي لي طرائفها مع القاطنين بالخارج منذ بدأ صدره في النبات ... كثرة مشاكلها تعادل قشور عبّاد الشمس الأبيض التي تقشّرها سعاد على الطاولة بتوتر... كلامها كان يجرح صورة حب لم تلتقط بعد ...

سمر كانت تعتقد أني سأحقق حلمها في الهجرة...

تاه عقلي بكلماتها ... قلبي يؤلمني من بساطة فكري ... كيف لصبية أن تعشق مراهقا في الأربعين... سخرت من تفاهة مشاعري... منتصف الليل يقترب ... سعاد تنسحب متمنية لي ليلة سعيدة ...

متخيّلا ردة فعل سمر وأنا أعلمها أني مطرود من جنة الغرب الوهمية ... بدأت أشكر الصدف التي أنقذتني ... من مغامرة طائشة ...

طيشي وقلّة خبرتي هم السبب في كل مصائبي ... العالم أدرك أني سابلغ أشدي وانا لا أبالي .... صدمة بسيطة أعادت لي رشدي ... الرشد يرميك على أرض الواقع من سحب الأحلام

إسم أحلام يشع على شاشة الهاتف راقصا مع نغمته ... عيناي تظلم وتنير مع إشعاعه ... خمد إصراره ليكتب إسمها من تحت ... كإتصال غير مجاب .... إتصال يتلوه آخر ... كتمت صوته ... بقي نوره يشع لمدة طويلة ...

أشحت بوجهي عنه ... كمن يهرب من عتاب على ذنب لم يفكّر في إقترافه ... جفوني يداعبها النعاس ... أذناي تحمّر من الحرارة ... إضطراب في ضغط الدم ...

سعاد تفتح رجليها لتخرج سمر من بينها ... رأسها يطلّ من حقيبة سفر حمراء تقطر دما ... مرزاق يغرغر الدم في فمه ... أنفه يشمّ جمرا مرصوفا في سطر أمامه ... حيدر بسابق الريح بدرّاجة جدي يحمل دليلة بين يديه ليسقط بها في كومة نار...

مفتاح صليبي يدور في مؤخرتي ... ألم في فتحة شرجي يدفعني للإهتزاز ... المفتاح يخترق أحشائي ويخرج من قضيبي ... قضيبي يتحول شكله لصليب مسنن ... أحلام يداها مربوطة به ... شيراز تعمّد رأسها ماء مغلي يخرج منه...

حرقة في أمعائي ولهيب بين فخذي وعطش يفح في حلقي ... مسرعا نحو الحمام ... إسهال سببه كثرة البهارات في أكل اليوم ...

حمام بارد أتطهر به من رجس مشاهد وصلتني من الجحيم ....

قارورة ماء باردة سكبتها في نار معدتي ... سيجارة أعدّل بها أوتار نشاز عزف عقلي ... السكون يدلّ أن الليل فرض سطوته على الكون ... بحثت عن هاتفي لأعرف كم يكون توقيت الزمان ...

64 إتصال غير مجاب من أحلام ... الساعة الثانية والنصف ليلا ... متأملا بتوقيت كل مكالمة ... الشاشة تلمع في صمت ... شكل رسالة تنبض ...

" الظاهر إنك نسيت موعدنا ... حتى لو مش لوحدك ... كان لازم تطمني ... قلبي شاغلني عليك ... كلمني لما تبقى لوحدك ... عاوزاك في خدمة ضرورية ... طمني إنك بخير "

توقيت الرسالة يؤكد أنها بعثت منذ ثواني .... محاولا التخلّص من تهمة أوحى بها خيالها أجبت برسالة قصيرة ... معتذرا عن إشغالها ... فقط هزمني سلطان النوم ...

دقائق كنت خرجت أدخّن فيها سيجارة... شاشة الهاتف تضيء لتسحبني له ... صوتها الهامس وذلك التيار العجيب في عنقي .... لجأت للكنبة كالعادة ...

- المهم إنك بخير ... قلبي كان حيوقف مالخوف عليك

- لا أنا تمام وآسف على الإزعاج ...

- يعني حتى لو معاك وحدة بالبيت ... إبعثلي رسالة طمني

- لا أبدا أنا لوحدي ...كنت نايم ... ممكن من التعب ما أخذتش بالي

- حلو إنّك لوحدك وبتسمع الكلام ... أنا بس خايفة عليك لتصرف فلوسك عالفاضي ... ممكن تصرفها في المليان ...

- (أردت الهروب من تلميح سيسرح عقلي معه خطأ) قلتلي عوزاني في خدمة ضرورية ؟؟ خير؟؟؟

- لا كل خير ؟؟؟ أصل وصلتني شوية طلبيات مستعجلة ؟؟

- أجيبلك الكيس بكرة ؟؟؟

- لا لا ما تعملش كده غير لما أقلّك ؟؟

- أمال ؟؟؟ إيه المطلوب ؟؟

- يعني أنا حأزعجك معايا ؟؟؟ بس من عشمي ؟؟

- لا أبدا إنت تؤمري

- تسلملي ... أنا حأمليك الإسم والعنوان ورقم الهاتف وإسم كل طلب ... وإنت ترسلهم في طرود بريدية ...

- أرسلهم منين ؟؟ مش فاهم ؟؟

- تروح مركز البريد ... عندهم علب مخصصة للطرود تحط كل طلبية في علبة وترسلها ....

قائمة طويلة ... أستجدي قلما من مخلفات دراستي أن يكتب ... نور الفجر بدأ يبزغ ... وداع دافئ من أحلام ...

متجها نحو الشرفة استطلع الطقس ... تعثّرت بقماش ملقى على الأرض ... تمليت فيه ... إنه البوكسر الذي كنت ألبسه ...

متى نزعته ؟؟؟ تذكّرت يدي التي كانت تداعب زبي خلال فترة الراحة بين كتابة كل طلب ... ماذا يفعل هذا الصوت الهامس بجوارحي ...

مستعدا لحملة مسعورة على أسراب سمك البوري ... بدأت الكمية تتضاعف مع تصاعد أشعة الشمس ... كنت أفكّر بمصير هذه الكمية ... هممت بإهدائها لعشيري ... صفعة وهمية من حنان على وجهي ... إستخسرتها فيه ...

قارب يشق الأعماق ... مجاديفه تطير تجاهي ... الهادي يدعوني لمرافقته ... إعتذرت منه بأن لي شؤونا أقضيها ...

عالجت حزنه لغياب جالب حظه بمنحه كل صيدي ... تحممت وتعطرت وتهندمت ...

سائلا عن موقع مركز البريد بقريتنا ... قبل هجرتي لم يكن فيها علم وطني مرفوع فوق مؤسسة حكومية سوى المدرسة ... مجمّع خدمات دلني عليه التاجر الشاب ... مستوصف ومركز بريد ومكتب شؤون إجتماعية ...

دخلت مكتب البريد إستقبلتني سيدة محجبة في أوائل الثلاثينات ... لباس أبيض عليه رسم يؤكده انه يتبع مستشفى ...

سألتني عن حاجتي وضعت كيس العلب أمامها ... قلت لها أريد أن ابعث هذه في طرود...

قطّبت جبينها من صعوبة المهمة ... طلبت مني الإنتظار قليلا ... صوتها من خلف الهاتف يعلمني أنها ستستعين بمن يلبي طلبي ...

جالسا على كراسي الصبر ... عيني تستطلع صبورة إلكترونية تعلم بأسعار تغيير العملة ... كم تدهورت قيمتك أيها الدنوس ... الدنوس هو دلع الدينار ... الأورو الواحد ب 3.5 دينار ... ماذا جنت هذه الدولة على نفسها ؟؟؟

جسد إمراة يخترق الباب ... شعرها أسود يميل للحمرة عند الأطراف ... أسنانها بيضاء بشكل ملفت للنظر ... قميص بني فاتح يغلق برباط عند الرقبة ... بنطلون جينز أزرق و صندل نسائي أسود بسيور بنية ... لون بشرتها بين السمرة والبرنزي ...

عضلات وجهها رسمت معيّنا حول فمها من أثر إبتسامة حيتني بها ... فرقعة قبلات رباعية مع صديقتها وهي تسألها ... " خير طلبتيني ليه ؟؟ "

كنت أهم بالوقوف حين سحبني صوت صديقتها ... " أصل خالتك فلانة .... " لم أهتم بمتابعة كلامهما ... منغمسا أرد على رسالة أحلام أني لم أبدأ بعد بإرسال الطلبات ... صوت أقدام جادة تقرع الأرض بكعب حذاء عالي ...

رفعت راسي منهيا الرسالة ... صوت منزعج من وجودي يدعوني للشباك بصفاقة ... عبوس وجهها تحوّل للإنشراح ... إمرأة يبدو وجهها مألوفا ...

نصف شعرها يطلّ من تحت قماش تلفّ به رأسها ... والباقي يتستّر من وراء حائط المصرف ...

ردي البارد المنزعج من التأخير ... دفعها للتكلّم بصوت عالي معاتبة ؟؟

- طيب المرّة الأولى ما عرفتنيش وعديتها ودلوقتي إيه عذرك ؟؟

- (هي أول من رحبت بعودتي في الدكان ) لا أبدا أصلي مش مركّز ؟؟ كيف أحوالك

- طيب مش تعرّفينا ؟؟؟ (نطقت المتدينة )

- داه دليل إبن بنت عمك فلان ؟؟ إلى كان مسافر ورجع من كام يوم

- ألفة ( قامت المتبرجة تمد يدها للسلام عليا من فتحة بالبلور) المرشدة الإجتماعية .. ودي إقبال ملاك الرحمة بالقرية (رددنا التحية بالأعين) ودي طبعا تهاني ... مديرة البوسطة (لويت شفتي وأحنيت راسي كأني أعرفها منذ قرون)

سألتني عن طلبي ... طلبت منها مجموعة علب طرود بريدية ... رحمتني من شقاء العمل ... أخذت القائمة و الكيس ...

رحمة الشقاء قابلها جحيم الخجل من ضحكهن مع كل علبة تضعها إحداهن بالعلبة و الثانية تكتب العنوان والثالثة تطبع توصيل التسليم على جهاز الحاسوب ...

أحينا كانت إقبال تتصنع عدم فهمها كلمة في ورقتي لتسحبني للحديث ... إنتهت مهمتي بتعمير ورقة ... الإسم والعنوان ورقم الهاتف ...

دفعت الرسوم وخرجت ... رسالة تحقيق النصر بعثتها لأحلام ... ولجأت لسدتي طالبا النوم ...

الهدوء الذي يقبع على القرية يسمح لك بنوم أهل الكهف ... صوت الهاتف يرنّ ... سعاد في موعدها ... شوقها للتلفاز صار يدفعها للبقاء أكثر فأكثر ... مكالمة من أحلام تنتهي قرب الفجر ...

الغريب في الأمر أن كلامها العادي يدفعني للإنتصاب ... دفعة أخرى من الطلبات واجبة التسليم غدا ... قائمة طويلة ... أجهدتني كتابتها وسرقت ثلثي ليلي مكالمتها ...

فجرا كعادتي ... صيد وفير ... موسم التزاوج يجلب الرزق ... الهادي مبتسما يحلّق بمجدافيه نحوي ... ألقى حجر ثقيلا يستخدمه كمرساة ...

رجلاه تغوص في الماء ... يده تسحب رزمة أوراق مالية ملفوفة بكيس بلاستيكي ... ثمن أسماك البارحة ... حمل الدفعة الجديدة وطار ملوحا بيده أنه أخذ نسبته ...

صباح جميل في مركز البريد ... صديقاتي الجديدات تجتهدن لخدمتي ... فهمت أنهن كن قبل مجيئي يتناوبن على فتح المكاتب ... كل يوم دور إحداهن ...

قلّة عدد السكان وطالبي الخدمات سمح لهنّ بممارسة الهواية المفضلة لموظفي الحكومات العربية ... التهاون

أسبوع مرّ على نفس المنوال ... فجرا أحصد ما ينتجه موج بحرنا الكريم ... يتسلّمه الهادي مقابل ثمن بضاعة الأمس ...

ساعتان أدمنت فيهما مرافقة الموظفات الثلاث ... أصلا صرت أجلب لهن معي الحلويات والعصير ... جلستهن مسليّة لمن تصحرت علاقته بالبشر في صقيع وحدة الزنزانة ... ألفة عجيبة تكونت بيننا بسرعة ...

ألفة كانت أكثرهن جرأة ... في الخامسة والثلاثين .... تعشق مربى المشمش ... متزوجة ولها ولد في التاسعة من عمره ... صار يناديني عمي ... قالت أن زوجها عاطل منذ سنتين ... كان صاحب مركب صيد ... ثم أفلس ومديون للبنك ..

تهاني ... في بداية الثلاثينات ... طبعا متزوجة ولها ولدان ... لم تعلمني بعمل زوجها ...

إقبال ... ناصفت الثلاثين ... عزباء ... خجلت أن أسأل عن السبب ... رغم إستغرابي من وضعها ... موظفة مقبولة الجمال ... تملك منزلا ورثته مناصفة مع شقيقتها التي تقيم بمدينة في الساحل ....

عقارب ساعتي البيولوجية تدور بالمقلوب ... أنام من منتصف النهار للمغيب ... أتعشّى وأسامر سعاد التي أدمنت مسلسلاتها ... بل صرت أتلهف لمعرفة أحداث الحلقة القادمة ... كيس من بذور عبّاد الشمس يوميا هو أجرها الوحيد على مجهودها في الطبخ ...

أسهر للفجر متمتعا بهمس أحلام البريء ... الكوابيس الملونة إختفت ... رغم كثرة أكلي للسمك وغياب النشاط الجنسي عن جسدي إلا أن الإحتلام المقرف فارقني ...

صرت أواظب على مكالمة حنان ... نهاية مخزون الأدوية من الكيس فرض عليا الإنسحاب من الجمعية النسائية التي إنضمت لحياتي ...

جلستي المسليّة في الصباح مع الموظفات ليس لها مبرر رغم شوقي لها ... همس أحلام صار لدقائق وينتهي إنتصابي ...

تغيير موعد عمل زوج سعاد فرض عليا مغادرة المنزل نهار وقت قدومها للطبخ والتنظيف .... ملجئي اليومي كان مقهى الصيادين بالميناء ...

أرافق الهادي في جولته الصباحية ... صرت أعشق نكاته وضحكه ... وجهه يختزن ألم السنين وضحكته لا تفارق شفتيه ...

أسبوع واحد كان كافيا للتعرّف على الجميع ... ثمن كل نوع من السمك صرت أعرفه ... كجلسات كلّ الرجال ... نصف الحديث عام ثم يتحوّل للجنس ... النيك محرّك الحياة ... كل رجالنا فحول في حديثهم ...

ربطتني صداقة بأمين سوق السمك ... موظف يشرف على عملية البيع ويأخذ ضريبة لفائدة الدولة عن كل عملية...

لم يتبقى سوى التنفس ونور الشمس لم تفرض عليهما دولتنا ضريبة ...

أمين السوق عرّفني على رجل في مثل سني ... إسمه قيس ... يجالسنا مادمنا جالسين ... صار يسحب السجائر من علبتي دون إذني ... لم يزعجني تقرّبه مني ... بل صرت أغرم ثمن قهوته وسجائره يوميا ...

رغبتي في التفوق على أحد .. أي أحد كان ... شكله ولباسه يدلّ كونه شخص محترم ... لم أره يعمل ... ربما هو موظف ينهي عطلته...

علاقتنا كانت تكفّله بجلبي من البيت للميناء والرجوع بي ... سيارة ليست جديدة لكنها تفي بالغرض ... مقابل تكفلي بمصاريف جلسته ... مقايضة عادلة ....

نفسي تتوق لأكل لحم ... السمك لذيذ لكن أكله كلّ يوم يزعجني ... السوق بقرية تجاورنا حوالي 10 كلم ... عرضت على قيس يوم خميس أن نغيّر الجو ... مصاريف بنزين التنقل كانت طلبه الوحيد قبل الموافقة ...

جولة بسيطة في السوق كشفت قهر الرجل ... الرجال لا يقهرهم إلا شيئان ... الشرف والمال ... كاد يقبل يدي التي وضعت 200 دينار في يده ... قلت له نحن أصدقاء ...

لم أعلم ما سرّ سعادته المال أو إعلان الصداقة الوليدة .... رائحة الكمونية تجلبني للصعود مسرعا للبيت ... أكلة شمال إفريقية ... كبد وقلب الخروف ولحمه تطبخ في مرق ... تزيّن بالبصل والبقدونس ...

وجدت سعاد تنتظرني بالبيت ... قالت أن شهيتها لوليمة أعدتها هزمت خوفها ... فليذهب زوجها للجحيم ... إشتقت النوم الهادئ ... الكوابيس صارت تطاردني ...

تغيب في السجن أو المقبرة أو إذا كلمتني أحلام ....

نسخة أخرى من فيلم المرحوم أحمد زكي ... معالي الوزير ... هو كان وزيرا ومسئولا ... أنا كنت سجينا ... أي سؤال نسيت الدنيا أن تسألنيه ؟؟؟ ...

أنفض رعبي وعفن أسفل بطني ... صوت ماء الحمام يخرقه رنين الهاتف ... رقم حنان ينير شاشته ... الواحدة ليلا ... سعادتي بإتصالها تحوّلت لرعب على حالة أمي التي نقلت للمستشفى ...

في منفاي الريفي لم أجد حلا سوى الإتصال بصديقي الجديد ... سرعته في القدوم ومهارته في السياقة جعلتني أمتنّ له ...

بهو مستشفى عمومي ... إخوتي وزوجاتهم يظهر ارتباكهم من ملابسهم ... الكل مستند الحائط ... الرؤوس منحنية من ثقل هم يترجون عدم قدومه ... أخي الأوسط هو الوحيد الغائب ... يعمل ليلا ... هكذا أخبرتني زوجته شيراز ...

الجميع يهرول نحو باب غرفة الطبيب ... أزمة ضغط دم حادة... الدعاء هو العلاج الوحيد ... خالي وأخي الأكبر وزوجته قرب الباب... الأصغر وزوجته على كراسي الإنتظار المتهرئة...

أنا أخذت مكان الغائب منهم بمجاورة زوجته ...

يدها ترتعش وهي تدعو كل الألطاف لنجدة حماتها ... حقا هي تحب أمي وتحنو عليها ... أصلا تدعوها ماما ...

بحثها عن تغطية شبكة أفضل للرد على مكالمة زوجها دفعا للخروج من بهو الإسعاف ... تسحبني من يدي غير مدركة ...

أنهت مكالمتها مع زوجها بدعاء صادق لأمي بالشفاء ... قيس يتقدّم منا يغلق هاتفه ... رد على إعتذاري عن إزعاجه وحرمانه من نوم هانئ مع زوجته ... بقوله " مش مهم المهم صحة الحجة ورضاك عنا "

كلماته التي دفعت شعورا بالغبطة في قلبي ... إنتبهت معها شيراز أنها لا تزال تمسك يدي ... سحبتها تداري خجلها بلملمة روب قطني تستر به بيجاما نوم أقضه مرض أمي ...

حلقة ثانية مع الطبيب ... سرور وشكر للسماء... أمي بخير ... صحبه تململ واضح ... الكل ينظر في وجه الآخر ... الطبيب ينصحنا بنقلها لمصحّة خاصّة ... هكذا هي بلدنا إذا أردت الشفاء إدفع ...

بخل خالي أسقط ورقته من شجرة عائلتنا ... جيهان تمسك ذراع زوجها بقوة تمنعه من التهوّر ... الأصغر يبدو لا حول ولا قوة له ... إنتهى الأمر ...

صفارة سيّارة الإسعاف الفاخرة تأمر الجميع بإفساح الطريق الخالية أصلا ... أقبل يدي أمي بين كفي ... دموع تلملمها شيراز مبتسمة من نظرة أمي وهي تقول لي

" إنت محضوض بمراتك ... عوضي عن خلفتي في البنات "

حتى وإن كانت فاقدة التركيز سعيد بكلمات أمي... سرير فخم وغرفة مجهزة بكل شيء ... بشاشة وترحاب من الممرضات الفاتنات ...

الفجر وتحسّن حالة أمي أمر الجميع بالإنصراف ... بقينا أنا وشيراز لمرافقتها ...

قيس الذي بات في سيّارته ينتظر أوامري ... مشوار للبنك ثم أصررت على إطلاق سراحه ... سعادته وهي يدفن أوراق ماليا مددت له عكسها تذمّر شيرازوهي تفتح حقيبة ثياب سلمتني اياها دليلة حسب موعد إتفقنا عليها ثلاثتنا ...

دليلة التي زادت سعادتها بخبر تحسن حالة جدتها بورقة وردية وضعها عمها بيدها كمصروف ...

الأصغر سلّم عليا ببرود قبل أن ينسحب للبيت للراحة من ليلة عمل مجهدة ... طبيب المستشفى العمومي يداوم في المصحّة ... يعلمني أن حالتها تستوجب ليلة أخرى ... يمكنها الخروج غدا إذا لم تتعكّر حالتها ...

تكلفة مرافقين بالغرفة أضيفت للفاتورة بعد إصرار شيراز ملازمة حماتها ... زيارة عائلية قصيرة إنسحب بعدها الجميع ...

أشعة غروب الشمس تطل على أسطح المدينة من نافذة مشرب صغير أعلى بناية المصحة ....

قهوة سوداء وسيجارة اخنق بها عقلي قبل صدري ... حليب ساخن بالشكولاطة رسم شنبا بنيا على شفتي شيراز ... لسانها يلحس بقاياه ... تهت في لونه الوردي قبل أن يتحرّك ...

- تعرف أني كنت غلطانة فيك ؟؟؟

- مش فاهم ؟؟ غلطانة في إيه ؟؟؟

- (صمت عكس ترددها) يعني إنت مش زي ما كانوا يحكو عنّك ؟؟

- يعني هما قالولك عني إيه ؟؟؟

- مش مهم قالو إيه ؟؟ المهم إنك طلعت أحن واحد فيهم ؟؟ وأرجل واحد فيهم ؟؟ كفاية الي بتعملو عشان ماما ...

- يعني ممكن كل واحد عنده ظروف ؟؟

- سيبك إنت ما تعرفش حاجة ؟؟ المهم أنا آسفة ؟؟

- آسفة على إيه ؟؟ أنا ماشفتش منّك حاجة وحشة ؟؟؟

- آسفة على ظني السيء بيك ؟؟ دي لوحدها ذنب ؟؟ كفاية رجعتلي هدية ماما

وضعت يدها في رقبتها تسحب قلادة جدتي ... عيني تنغرس في مفرق صدرها ... صدرها صغير لكن شكله جميل ...

إشارة من المسؤولة عن جناح إقامة أمي يعلمنا آن التغيرات المطلوبة حصلت ...

إنعكاس مؤخرتها الضخمة داخل قماش البنطلون الأزرق على المرآة الخلفية للمصعد يحرق ضميري ... أشيح بنظري ليؤلمني بمنظر حجم كسها المحشور بعنف بين فخذيها ... أنظر للاسفل لتعذبني الصورتان معا ...

كشخصية نعرفها بتونس ... رحت أرفع نظري لسقفه لاجئا منها ...

سريران يجانبان سرير أمي ... عن يمين وشمال ... هدوء فرضه علينا نوم أمي ... صوت الممرضة أنقذني من بداية كابوس أحسست أن كاتبه سيتفنن في تأليفه ...

وجبة عشاء بسيطة مقارنة بالأسعار السياحية التي دفعتها ... حقن كثيرة وأدوية أكثر تسري في عروق أمي ...

همس أبطال مسلسلي اليومي يعاني وسط طنين آلات قياس ضغط الدم والنبض جذب شيراز لجلوس على حافة سريري ... تريد القرب من شاشة التلفاز ...

تفاعل كبير بيننا في أحداثه... تشاركنا التوقعات ... هذه ستتزوّج حبيبها... البطل سيموت ... الشريرة ستسجن ... إستغراب المعجب يعلو وجهها ...

العاشرة ليلا موعد آخر حقن والدتي ... الممرضة توصينا بالهدوء وعدم توتيرها ... إصبعها يشير إلي شاشة صغيرة ... يجب علينا إستدعائها إذا تجاوز العداد الرّقم 69 ...

تخلصت من ملابسي ... مكفنا بلحاف أبيض أستر فيه عري جسدي ... بوكسر رمادي فقط هو ما يسترني ...

باب الحمام يفتح تخرج منه شيراز متدثرة بروب حمام ... علّقت ملابسي بعناية في خزانة قرب الباب ... تسترت بلحافها ثم تخلّصت دثارها ... سرير أمي الطبي يشكّل حاجزا بيننا ...

تيه أفكار طويل ... صوت دقات منتظمة من المعدات الطبية ... يسحبني .. صوت طنين متواتر يسيطر على تفكير ... نفس الصوت كنت اسمعه ليليا في زنزانتي ...

ثم سحبني النوم ...

دليلة تحشر الورقة النقدية في ثقب مؤخرة أمها الضخمة ... عقد جدتي يزين بضرها الطويل ... ألفة تدهن زبي بمربى المشمش المفضل لديها ... حبات المشمش المتدلية تحت قضيبي معلّق فيها مفتاح صليبي ...

حديده الساخن يكوي جلد فخذي ... ركبي تقفز فوق صدر شيراز ...

إستفقت مذعورا قبل رعشة الفضيحة ... زبي مرسوم بوضوح تحت قماش البوكسر ...

رحت أتسلل حذرا من أن أوقظ إحدى رفيقتي ليلتي ... بمجرّد مروري أمام سرير أمي سمعت صوتها ينادي ...

- تعالى هنا يا ولد ؟؟ رايح تتسحب فين ؟؟

صوتها العالي رفع رأس شيراز مستفسرة... محاولتي اللحاق ببنطالي في الخزانة ... رفع عدّاد الشاشة من 23 إلى 59 ...

لبيت طلب أمي بالجلوس بجانبها فعادت الشاشة لهدوءها ... أمي تأمرني كما كانت أيّام عنفوانها ... سعيد بسماع صوتها ...

الكرسي كان بين سرير أمي وسرير شيراز ... جلست بخجل من عري ظهري أمام عيني زوجة اخي ... عادت أمي للكلام ....

- رايح تتسحب فين ؟؟؟ (لم أفكّر بالإجابة حتى) ما تكذبش ؟؟ رايح للمعزة بتاعتك ؟؟ (قبل أن أسال عن اي معزة تتحدث) ... وفيها ايه لو مراتك ما بتخلّفش ؟؟ ... مش كفاية عليا أخوكم ؟؟؟ ... يشرب سجاير لحد ما أبوك بعثه لخاله يسجنه بفرنسا عشان يتربى ؟؟؟ ... يعني جايب ولدين زي الفل ومش عاوز تصرف على تعليمهم ؟؟؟

أيقنت أن أمي تعاني شيئا ما ؟؟؟ إعتقدت أنها سكرات الموت ؟؟؟ جمعت كل مشاكل أولادها في فقرة واحدة ؟؟؟ سعيدا ببعض المعلومات عن خصومي ومرعوبا من وضع أمي ... أنفاس حارّة تحرق رقبتي ...

" عادي هي لما تجيلها الحالة بتكون كده "

إلتفتت لأسال عن ماهية الحالة ... كس شيراز الضخم يخز عيني بين قماش كيلوتها الأسود .... أهملت إغلاق قميص نومها ... أمرتها أمي بالجلوس بجانبها ...

شيراز تضع رجلا على الأرض وتطوي ركبتها الأخرى تسند بها يد أمي الموصولة بخيوط متصلة بالآلات ... سطر أسود يعاني ست جوانب ما بين فخذيها الورديتين ...

- بصلي هنا وأنا بكلمك ؟؟؟ ... حد يبقى متزوج قمر زي دي ويروج لمعزة زي السنكوحة بتاعتك ... وانت يا بنت الكلب ؟؟ مصنع إيه إلي يبات فيه كل ليلة ؟؟؟ ما عندوش إجازرات ...

أغمضت أمي عينيها وصمتت ... شيراز تحني رأسها للأسفل ... كنت أظن أن أمي تختلق القصص ... ردة فعلها أكدت أن هذه التخاريف تصدر من واقع ...

عيني الخجولة لا تلبث أن تعود لتسبر غور المستطيل الأسود ...

محاولة تصحيح وضع جلستها ... أيقظ أمي ...

رايحة فين يا بنت الكلب ؟؟ أنا مصدقاكي ؟؟ إبني وعرافاه ؟؟ بتاع بنات من صغرو ؟؟ بيشرب مع القحاب و يتجوزهم ... ماهو كله منك إنت لو جبتي حتت عيّل ما كانش يخونك ؟؟ ... البخل داه بيجري في دمهم ؟؟ أنا قلتلك لو ناقصك حاجة تعالي قوليلي ؟؟ ... بخيل زي ابوه ؟؟

كنا نتحاشى النظر لبعض خوفا أن تنفجر ضحكاتنا المكبوتة ... أول لقاء بين عينينا حدث المحظور ... صوت ضحك بحرف الشين مصحوبا برذاذ اللعاب يدوي في الغرفة ...

بتضحك يا إبن الكلب ؟؟؟(الكلب أصلا لم يكن يستطيع الرد عليها زمن الصبا) ... قومي يا بت إديلو قلم عشان يتربّى ؟؟؟ قومي و إياه يكلّمك

ترددها من تنفيذ طلبي أمي رفع رقم العداد لـ 63 ... مواصلة عندها وإصرار أمي أوصله لل 67 ... إشارة من رأسي بسرعة التنفيذ ...

قامت تعيد يد أمي لمكانها بحذر ... عيناها تطلب الصفح مني ... جالسا مطأطأ الرأس ... يدها تلامس خدي بحنو ...

صوت أمي يستنكر " عاوزة أسمع صوت الكف " ... أعادت محاولتها أقوى من الأولى بقليل .. كل مرّة لا يعجب صدى الضربة أمي ... رفعت عيني لأشجعها على التنفيذ ... منظر كيلوتها يصفع عيني على بعد شبر ... صورة شبر حار ترسم على خدي ...

صدري يهتزّ ... وصوت أمي راضيا " هما كده ولاد الكلب ما يجوش إلا بالضرب " ... لم تهدأ عاصفة مشاعري بعد حتى لحقنا طلب أغرب ...

" قوم أحضن مراتك صالحها " ... ترددنا رفع الرقم لأعلى مستوى ... هدوئه أراحنا ونحن نتعانق بالأكتاف ...

أمي لا يعجبها العجب ... ظلّت تلح حتى إلتصق صدري بصدرها ... زبي يحك بطنها ... أنفاسها تحرق رقبتي ... رعشة كلينا لا تفهم منها أي ردة فعل ...

لعبة مسرح العرائس لم تنتهي ... طلب أغرب من أمي " بوس مراتك صالحها " العداد يرتفع كعداد مدلّس في تاكسي سياحي ...

قبّلت رأسها ... لم أصحو من سكرة رائحة عطرها حتى وصلني صوت الإستنكار ... بوسها من خدها ؟؟ ... لوت شيراز رقبتها وفتحت كفها أن لا مناص ...

طبعت قبلة صوتية على خدها ... هدأت أمي قليلا ... كنا ننسحب من ذراعي بعض حين لحقنا أمر أغرب ... " ولّعو النور " ... كبسة زر وطلع نور الخجل علينا ...

نصفا عاريين ... أمي تستغل خوفنا على صحة لم تسترجعها بعد لتعبث بنا بصرامة أيام شبابها ...

" بوسي زوجك من شفايفو " ... دقائق طويلة من الصدمة رنت فيها كل أجرس أجهزة الإنذار ... لا مناص من تنفيذ الأمر ... قبلة خفيفة طبعت على شفتين لا حرارة فيهما ...

عفو من فم أمي " يلى طفو النور وروحو نامو ... عيال آخر زمن "

كنت أهرول هربا نحو السرير حين لحقنا الحكم البات

" حتنامو كده بوسخكم ... إقلعو هدومكم وتعالو أحمّيكم "

ما بعد الغربة ... (الدليل)

    {{#invoke:ChapterList|list}}