ما بعد الغربة ... (الدليل) - الجزء الثاني

من قصص عارف

دخلت المقهى في قريتنا ... إستقبلني صديقي وعشرة عمري بلهفة ... فسّرت له سبب غيابي ... نسيت درّاجة جدي ... قال انه أوصلها للبيت ... كما أن الكهرباء والماء عادا إليه ... صاحبني مستفسرا عن سرّ تغيير شكلي فجأة ... لم اجبه

فتحت الباب ... رائحة الرطوبة تخنق ... سارعت بفتح الشبابيك ... لا يوجد فانوس يشتعل ... الحيطان تشققت ... أغلب الأبواب تحتاج صيانة ... غرفة النوم التقليدية ... السدة هي عبارة عن سرير مبني بالحجارة ... سقف يقسم الحائط نصفين ... الجزء الأعلى هو الفراش ... الستائر الحريرية أصابها التلف ... قديما أيّام الحشمة ... كان الصعود للسدة هو مرادف لممارسة الجنس غرفة النوم لا تصلح للنوم ولا غرفة الجلوس تصلح للجلوس ...

صورة جدي طمرتها خيوط العنكبوت .... مسحتها ووضعتها على صدري وبكيت آخر دمعة أدين بها

طلبت من صديقي أن يغادر كي أستطيع ترتيب البيت ... رفض معللا أن شهرا كاملا لا يكفيني لترتيبه لوحدي ... دقائق وإشتغلت شبكة إتصالاته ...

سباك وكهربائي وعامل بناء وحدّاد ونجّار... أمرهم بإنهاء ترتيب غرفة النوم والحمام قبل هذه الليلة .. والباقي يمكنهم إنهائه في 3 أو أربعة أيّام ....

نصف ساعة وعج المكان بجيش من العمال في الحديقة والمخزن .. وإثنان يعتنيان بسور البيت ... حتى الدراجة كلّف من يصلحها ...

المفروض أن يزيد إمتناني لصديقي لكن العكس هو ما حصل ... الكل يحترمه ويطيعه ... بل ويتحكّم بهم ... كيف وصل للريادة ... قارنت بين حالي وحاله آلمني وضعي ...

زاد ألمي وزوجته تستقبلنا ببشاشة ... عرفني عليها ... عمرها 25 سنة تزوجها وعمرها 18 ... حسدته عليها رغم أنها لم تستهويني ... 3 أطفال منهم واحد لا زال حابيا .. رغم إزعاجهم لكنهم يشعلون البيت بهجة وسرورا ...

بيته ليس فخما لكنه محترم ... صور زفافه ... ذكريات شغله ... عنده صور كثيرة منذ طفولته ... المدهش أني لم أجد لنا صورة تجمعنا ...

زوجته تتفنن في الطبخ ... لكني لم استطع أن آكل جيدا رغم محاولتهما ... عالجت كسر نفسها بعد جهدها بأّنّي غير متعود على الأكل بكثرة... جولة مسائية طويلة رافقني فيها ... صرت أمقت وجوده بجانبي ...

الشيء الوحيد الجميل في الأمر أن لا أحد يعرف من أنا ولا أين كنت ولا ماذا أفعل ... حتى شهور إقامتي الحرة بفرنسا لم أخالط أحدا من أبناء البلد كل معارفي جزائريين أو شاميين ...

دخلت البيت بعد المغيب ... الأشغال تقدمت بسرعة ... رائحة الدهن تملأ المكان الأبواب صارت تفتح بسهولة ... المخزن نظيف ومدهون حتى بابه صار يقفل ... الغرفة الكبيرة مدهونة ... الحمام نظيف حتى سخان الماء يعمل ... هذا هو المهم ...

إستلقيت على السرير ... ندمت لتفريطي في الطعام الشهي على الغذاء ... المطبخ لا يمكن دخوله ... بطني منعتني من النوم خرجت أتمشّى...

سحبني نور فانوس يلمع بين شجيرات تلاصق الشاطئ ... شكله يدلّ كونه مطعما قلت علي أجد ما أسد به رمق جوعي ... الساعة الثامنة ليلا...

ديكورات بسيطة وبناء من القصب وبضع طاولات ... شابان في بداية العشرينيات يجلسان يتقسمان قهوة ... إستقبلتني سيدة إستقبالا حارا ...

إقترحت عليا طبقا من خيرات بحرنا ... وصفها لمكوناته وشوقي لسمك قريتنا ضاعفا من جوعي ... رائحة الشواء تثير رغبتي في الأكل ... وفتاة بنت 17 سنة تثير غريزتي ... تشبه صاحبة المحلّ...

شورت أسود قصير يكشف فخذين حوّل لفح الشمس جلدهما للون البرنزي ... قميص ظفر فوق بطنها يشد صدرا يافعا يطل من فوق زرين مفتوحين تحت رقبة تميل للسمرة ... وجهها أحمر بفعل الشمس التي قشّرت أنفها ... عيناها تشتعلان رغبة في الحياة ...

كانت تتفن في خدمتي ... سيطرت على نظري جيئة وذهابا ... أردافها تتمايل مع كل خطوة تغوص فيها قدمها على رمل الشاطئ.. لاحظت أمها إهتمامي بها ...

رايتها تهمس في أذنها ... دخلت للمكان المخصص للطبخ ... ثم عادت تحمل طبق سلطة مشويّة وصحن هريسة تونسية نسيت طعمها منذ بداية الألفية ...

إنحنت ترصف الطبقين أمامي ... غرست عينيا في صدرها ... فتحت الزرين لتكشف عن وردة زرقاء تربط جانبي سوتيانها الصغير الأسود .... نهداها الصغيران متباعدان كأن بينهما خصاما ..

قطع تأملي قدوم أحد الشابين يتعثر خجلا ... وقف أمامي يضع إصبعين أمام فمه ... يطلب سيجارة ... أعطيته إثنين ... وإنسحبت الفتاة ...

غابت لمدة طويلة ... ألمي وحزني كبيران ... أمها قامت بتقديم بقية وجبتي ...

كانت طاولتي متجهة للبحر ... والولدان يجلسان يساري في مكان جدرانه قصب شبيه بالغرفة ... حورية يتلألأ جلدها في الماء تحت أشعة فانوس فوق سطح المطعم ... الفتاة تسبح أمام عيني ... تتستر بجنح الليل ... محاولتها الغوص تكشف عري ظهرها ...

كدت أجن لما دخلت تلبس قميصها وتحمل سوتيانتها تلوح بها مع حركة يدها ... رجلاها تثير رمال الشاطئ و صدرها يثير عواصف الشوق في صحراء عمري....

ناديتها لا أعلم لماذا ... الطاولة مكتملة ... وضعت يديها على حافة الطاولة وإنحنت لتسمع طلبي ... صدرها نصفه وجبة لعيني ونصفها تخزنه ربما لوجبة أخرى ...

طلبت منها علبة مياه غازية من أندر الأنواع ... إنصرفت تسحب عقلي بين ردفيها اللذان إلتصق بها قماش الشورت المبلول ...

عادت أمها بعد مدة لتعلمني أن طلبي غير موجود... جالستني دون إذن تنظم الصحون أمامي ... قالت إن كان يمكنها تقديم شيء ...

لهجة المرأة ليس بريئة ... لا اعلم لماذا أحسست ذلك ؟؟؟ شكلها طبيعي ولبسها طبيعي لكن قلبي يقول أنها تشير لشيء ...

تقدّم مني ذلك الشاب ثانية ... نهرته صاحبة المطعم عن إزعاجي ... يريد سيجارة أخرى فكّرت في التخلّص منه ... عرضت عليه أن يجلب لي قارورة مياه غازية مقابل علبة سجائر ... وافق بسعادة ...

حسبت المسافة بين محل الشاب الذي تركت عنده الورقة النقدية منذ أيام ذهابا وإيابا... ساعة ونصف على أقل تقدير... وصفت له المكان والشاب وإشارة سيفهمها التاجر ...

قال أن ذلك سيأخذ وقتا ... قلت له أني سأسهر مادام كان المطعم مفتوحا...

قالت صاحبته انّها تحت أمر الزبائن .... إنصرف وصاحبه بسرعة ... الجو هادئ الآن ... جليستي أطالت المكوث ...

- ما قلتليش الأكل عجبك ؟؟؟

- طبعا ... من سنين ما ذقتش الطعم داه ؟؟؟

- إلا قلّي هو إنت جاي تصيّف وإلا شغل وإلا إيه ؟؟؟

- لا أنا إبن البلد دي ؟؟ بس كنت مهاجر من سنين ؟؟

- ما تقليش إنت المليونير إلي ساكن جنبنا عالشّط ؟؟؟

- مليونير ؟؟؟ مين قالّك الحكاية دي؟؟؟

- الولدين إلى كانو هنا بيحكو عن واحد مهاجر من 20 سنة ورجع من كام يوم ؟؟ بيقولو نص البلد بتشتغل عندو في البيت ...

- لا لا مش للدرجة دي

- يعيني إنت هو؟؟؟ هو إنت خايف لأحسدك ؟؟

شعرت بالإمتنان لأول مرّة لصديقي ... أهل القرية صاروا يؤلفون القصص عني ... إحساس جميل يرطب جفاف فشلي ... لا مانع إن حسدوني ...

إمتناني صار أكبر لما إقتربت مني البنت ... تتسائل أين كنت أقيم بالخارج ... نهرتها أمها أن لا تزعجني ... تذمّرت البنت

- يوووه يا خالتي ... كل مرّة تحرجيني كده ...

- خالتك ؟؟؟ وجهت نظري للمرأة هي مش بنتك

- لا دي بنت أختي ؟؟

سهرة هادئة ... صوت جليستي يتجانس مع صوت مدّ البحر ... الأكل شهي ... سعاد ... هكذا كان إسمها ... عمرها 44 سنة ... إنتقلت للعيش هنا منذ 15 سنة صحبة زوجها الذي يعمل حارسا بالمنطقة الصناعية ... قالت أنها إختارت قريتنا لثمن الإيجار المنخفض ...

هذا المطعم الصيفي البسيط هو شغلها الوحيد ... باقي السنة تلازم بيتها الذي يلاصق المطعم ... سمر بنت أختها 17 سنة ... تسكن بالمدينة لكنها تمضي الصيف بصحبتها ... تتمتع بالبحر و تساعدها في أشغالها ... سمر التي فقد جلستي سمرها إختفت ....

خجلت أن اسأل عنها .... ودعت سعاد بعد كرم مبالغ فيه كبقشيش وأنا أشكر حسن ضيافتها وتفننها في الطّبخ ...

عدّة أمتار يبلل مد البحر فيها قدمي ... إستلقيت على رمال شاطئه النقية ... وضعت حذائي تحت رأسي ... منظر الصبية سمر يسامرني ... خالتها تبدو منفتحة على تطوير علاقة ..

أنوار شماريخ وألعاب نارية تزين ليل الأفق الشرقي... شريط ذكريات جديد يبث أمامي ... إفتتاح مهرجان كان ... نسمات الصيف بدأت تلفح جلود الفاتنات على شواطئها ... الشوارع تغص بالجميلات ... جميلات منعنتني قضبان السجن حتى من تخيّلهم ...

شوارع كان ... الجن تتراقص فيها دون شهب ترصدها ...

الكيس البلاستيكي الذي وضعت فيه قطعة خبز وقارورة الماء ... بدأ يزحف مبتعدا عني ... كلب جائع تجرّأ و خطفها مني ... لهاثي وأنا أطارده على رمال شاطئ تغوص فيه رجلاي ...

لا أعلم سرّ إصراري على مطاردته ... نفس إصرار السائح اللاتيني الذي دفعني جوع التشرّد على الضفة الأخرى أن اسرق كيس أكله ... خطوات رجال الشرطة الذين إستعان بهم ... تقترب من مسامعي ...

تهديد بإطلاق النار إن لم أتوقّف ... صوت فرامل درّاجة نارية كان الأقرب ... " إركب بسرعة وبعدين نحتشي " ... عامية الرافدين كم عشقتها ...

عشقي لحيدر العراقي هو السبب ... حيدر هو سبب إلتحاقي بعصابة مافيا البيضاء ... المخدرات ذات المفعول السحري ... حيدر هو فارس وكرّار كصاحب التسمية الأصلي ...

مفعول البيضاء جرّبته مرّة ... " طباخ السم يذوقه " هكذا قال مروان الشامي ... البيضاء مون أمور ...

عفوت عن الكلب ليفوز بغنيمته ... عائد أقذف رذاذ خطواتي على الماء ... لهيثي يخرج كلمات غير مفهومة وأنا أدندن كلمات أغنية المرحوم الشاب حسني..

ذكّرتني جملة " كل يوم نبات سهران نندب في الكونتوار" بمرزاق الجزائري ... رئيسنا أو " الكابو" كما يحلو لرجال العصابات تسميتهم ...

آخر مرة تحدثنا كان يندب آخر قارورة على الكونتوار ... ويطلب الصفح من الزرقاء ... أنفه متورّم من أثر شم حبيبته البيضاء ...

سلمني مفتاح الخزنة ... دوري كان رابط الصلة بينه وبين مروان ... آخذ منه مفتاح الخزنة آخذ الثمن منها ثم أخبئ البضاعة فيها وأعيد إليه المفتاح ...

دوري البسيط كنت أحصل مقابله على 1/100 من قيمة الصفقة ... كان يعتبرني ذراعه الأيمن ... كان يقول أنه يثق بي ... لا أحد سوانا يعرف مكان الخزنة ...

هي عبارة عن بيت وصلات كهربائية قديمة تم التخلي عنها بعد أشغال تمتين جانب الميناء ... غطتها الصخور الأسمنتية ... بوابة حديدية لا تفتح حتى بالمتفجّرات ...

غطيت وجهي من ألم ذكرى صورته وهو يلفظ آخر أنفاسه ممزوجة بدم يخرج من فمه بعد 4 رصاصات مكتومة سكنت صدره أمام البار ... أنا أغمضت عينيه ...

دمعة سالت لذكراه .... مروان الذي أنقذته ثواني ركّزت فيها على صدر الفتاة الرومانية من أصفاد المؤبد ...

ملقى على الأرض ... ركبة شرطي أسود ثقيلة على ظهري ... رفعت رأسي... رأيته يهرب ببضاعته ...

ذكريات تتلو الأخرى ... رائحة الدهن تطرد النوم من عيني ... حركة العمال النشيطة سبقت كسل أشعة شمس هذا الصباح ...

جائع ومنهك ومهدود بالذكريات .... خرجت قاصدا المقهى ... إعترضني الفتى من ليلة أمس ... عرض عليا أن يجلب طلباتي ...

شاب نشيط جدا إسمه نبيل ... أقام لي مكان إستراحة وقتية في الحديقة أراقب منه العمل ... شمسية قديمة وكرسي وصندوقان ...

يعد لي الفطور ... يسكب القهوة ... إلتحق لوحده بالعمّال بل صار يوجههم لنقائص في عملهم الحثيث ... يستشيرني ثم يطلق صوته بالأوامر ...

كلمة عرفي التي تخرج من فمه تسعدني ... لم أكن يوما عرفا ... كنت دائم الصانع ...

العرف ببسط العين وسكون الراء وكسر الفاء معناها المعلّم أو الرئيس و الصانع هو المساعد أو الصبي ...

رائحة العشب المحروق وضوضاء العملة أزعجتني ... طلب مني الرّاحة أو قضاء شؤوني ... طمأنني أنه موجود ... سيتكفّل بإعلامي لو صار هناك إخلال ...

سعيدا على حافة الشاطئ ... شورت أسود قصير ... صدري عاري ... منشفة توشّح كتفي ... حالتي النفسية دفعتني للركض ...

كنت أطارد ظلي الذي يتهرّب من محاولتي أن أدوسه ... يسبقني مراوغا على رمال الشاطئ المبللة ... إنعكاس أشعة الشمس التي أعلن طلوع النهار عن نشاطها تتراقص فوق سطح البحر ...

صدمة الماء البارد على جلد ظهري الذي كوته الشمس ... دفعتني للشتم ... صوت ضحكة رقيقة ورائي ...

عينان سودوان تملأهما الحياة وسط أهداب ناعسة ... سمر تضحك من ردّة فعلي ... صدرها الطري الغض مرفوع للأعلى بسوتيانة سباحة زرقاء عليها رسوم نخلتين في كل جانب ... موسم تمر الجنوب إقترب ...

بطنها تتوسطه صرّة داكنة في محيط برنزي ... شورت أسود مشدود بخيط ربط على شكل أذني أرنب ... لا يتجاوز قماشه منبت فخذيها ... تكوّر صغير بينهما ... يعكس إهمالها قص الشعر فيه ...

طلبت مني مرافقتي بالجري ... فخالتها لا تزال نائمة والوقت مبكّر لفتح المطعم ... كنا نجري جنبا لجنب ... أحينا تتعمّد رشي بالماء على ظهري كلما سبقتها ... لعب طفلة طريفة بعث فيا روح الطفولة ...

كنت أنوي الإنتقام منها جعلتها تسبقني ... منعتني صورة مؤخرتها تهتز أمامي مع كل خطوة ... صغيرة لكنها طريّة ... كنت أتخلّفها بخطوات... صرت أقلب أصابعي كلاعب كرة يد ...محاولا قياس حجمها ...

كأنها إستغربت تأخّر إنتقامي المتوقع ... إلتفتت لتجدني أغرس نظري في مؤخرتها ويدي أصابعها مفتوحة مع تقوس أطرافها ... ضحكها مني أشعرني بالحرج ...

حرجي سبب لحاقي بها ... ثم دفعي لها لتقع في الماء ... ضحكنا معا ... روحها الطفولية دفعتها للإنتقام مني ... جذبتني من يدي لأقع ... صدري وراسي في الماء ورجلاي للأعلى ... هكذا يزرع البصل ...

سبحنا معا ... لعبنا .... تعلقت بكتفي كمنصة لقفزها ... أعجبتها عضلاتي ... صدمتها لما أعلمتها بعمري ... قالت أني أبدو بمبالغة قصوى منها في الثامنة والعشرين ...

حركنا سكون الشاطئ بضحكنا ... صدى صرختها كلما أمسكت رجليها ورفعتها للأعلى لتفز يسمع في شواطئ الضفة الأوروبية ... معلنا للحياة عودتي ...

جلسنا على حافة الشاطئ نلهث من طفولتنا ... كانت تفتح رجليها وترسم على الرّمل ... حدثتني عن أحلامها ... عن حياتها ... قالت أنها لا تريد مواصلة الدراسة... ستلتحق بإحدى مدارس التكوين في مهنة السياحة ...

قالت أن خطتها أن تتعرف على سائح أوروبي وتتزوجه للحصول على الإقامة... إنها تكره وطننا المحبط ... آلمني جمال بنات بلدي الذي سيذبح على أرصفة الغرب ... كنت أنوي نصحها و أصف لها حقيقة الوضع في أرض أحلامها...

صمتي المؤلم سببه خوفي من تكسّر أسطورة بدأت تنسج حول شخصيتي ... كنت مصغيا لها و أتثائب ... قامت تنفض رملا إلتصق بقماش مؤخّرتها ...

- باين إني مملة ؟؟؟

- لا بالعكس ؟؟؟ إنت مسلية وطريفة جدا وكلامك أكبر من عمرك

- أصلك بتتثاوب من مدّة ؟؟

- أه آسف هههه أصلي ما نمتش إمبارح ... عندي أشغال والبيت متكركب وما عرفتش أنام ؟؟

- يا حرام على كده ما فطرتش (أجبت برأسي بالنفي ... نظرت للشمس كأنها تستطلع الوقت) طيب كمان شوية وأنا عازماك على فطار و مكان تستريّح فيه ...

أصرّت أمام رفضي ... تصنّعت الغضب ... وافقت مسحوب التفكير ... بدأت تلعب بالرمل تصنع شكل رجل ... كانت تتفنن في نحت تفاصيل جسده .. عضلات بطنه وصدره ... إستدارة ركبتيه ... فخذيه ... شكله جميل ... ذهبت لحافة الشاطئ تبحث بين نبات القصب عن حشائش تستعملها لشعره ...

قفزت في الماء أبرّد جلدي من أشعّة شمس حرقته ... غطسان سريعان ... ثم عدت أراقبها ... إستعملت كلّ ما وجدت ... عيني تاهت في مؤخرتها ... جسدي تشتعل ناره ... رجلي في الماء ورأسي تغلي ...

وضعت ورقات قصب تنمقها كشعر على رأس تمثالها ... حصاتان كحلمتين لصدره وثالثة أكبر بقليل وسط بطنه كصرة ... جف حلقي وهي تضع أعشاب بحر جافة لونها بني أسفل بطنه ... إحترقت عينيا وهي تغرس نصف نصف كوز ذرة بين فخذيه ...

تراجعت للماء تغسل يديها ... وقفت بجانبي تتأمل عملها الفني ... قالت " تعرف إنه شبهك " ....... جف الدم في عروقي وهي تنحني لتحيط بيدها بكوز الذرة تحركها صعودا ونزولا ... وضحكت وهي ترفس برجليها كلّ ما صنعته...

وسمعت أجراس الموت في أذني ... ثم قامت مسرعة تنفض يديها ... إبتعدت ضاحكة لخطوات ثم طلبت مني اللحاق بها مستغربة وقوفي ...

إلتحفت بمنشفتي ... أغطي حالتي ... أمسكت يدي تسحبني نحو مطعم خالتها... حركة يدها تحلب سبابتي منعت أكسجين الأرض أن يدخل رئتي ...

دفعت باب خشبيا صغيرا وراء ركن المطبخ ... حديقة واسعة رصفت فيها طاولات وكراسي إحتياطا من كثرة الزبائن ... ركن بين شجرتي لوز عتيقة ... وضعت طاولة وكرسي وطلبت مني الإنتظار ...

آخر الحديقة يظهر بيت خالتها بين شجيرات صغيرة لا زالت تحتفظ بأوراقها ... الحديقة مهذبة ومنمقة ...

توقف إحساسي بالزمن وأنا أراجع حركاتها ... رطوبة جفاف قماش الشورت بدأت تبعث الدفئ بين فخذي ... قضيبي بدأ يذكرني بدوره الثاني غير التبوّل ... خالتها تهرول مرحبة نحوي ...

شورت أبيض وقميص مزركش يهتز ثدياها فيه ... سحبت كرسي وجلست تقابلني تربط شعرها للفوق ... لون إبطيها يعكس إهتمامها بنظافة جسدها ... تأسفت عن إزعاجها ... يبدو أنها أفاقت من نومها للتو ...

دقائق وقدمت سمر تحمل طبقا عليه إفطار شهي ... تركتاني أفطر ... شبع جوعي للأكل وزاد جوعي للجنس ... قهوة سوداء تفوح من فنجان بين يدي سعاد ...

جلست تغمرني بترحاب وسعادة بزيارة غير المتوقعة ... سمر تحمل شبكة ملفوفة بيديها ومخدة صغيرة ... قالت أنها تعلم أني سأرفض دعوتهما للنوم في بيتهما ... فهذا الحل مريح بالنسبة لي ...

ربطت خيوط تمسك خشبتين بين شجرتي اللوز ... الخشبتان مثبت بينهم الشبكة ... سرير شبكة أو شبكة سرير ... وضعت المخدة ... ظل الأشجار يقيني حرارة شمس النهار ...

ودعتاني وطلبتا مني أخذ راحتي .... متأرجحا بين السماء و الأرض ... متعبا الجسد من سهاد طويل ... نسيم يعبث بي ... جفوني تثقل وريدا رويدا ... هدوء يسحبني للنوم ...

صوت الرصاص ... صرير سلاسل الأصفاد يختلط بهدير موج خفيف ... صوت طرقة باب الزنزانة الثقيل ... أزيز الطائرة ... فتحة صدر الفتاة الرومانية تلبس لبس مضيفة الطيران ... سمر عارية تشوي كوز الذرة داخل كسّها الذي تشتعل النار في شعيراته ... ثديا سعاد يذكيان نارها بتأرجحهما ... فم مرزاق يرغي بالدم ... يد الشرطي تهز صدري ...

برودة تسري في مفاصلي ورعشة تعتريني ... ضحكة سمر وهي تنظر لبقع غامقة تتسع بين فخذي ... قالت متأسفة بخوف ... الشمس شارفت على المغيب ...

تلحفت بالمنشفة أداري بها فضيحتي وإرتباكي ... أصرّت سعاد أن أعود للعشاء ... قالت أن الحركة كانت خفيفة اليوم ... رافقتني سمر حتى حافة الماء تؤكد على ضرورة عودتي ...

إرتميت في الماء علي أفيق من غفوتي ...

وجدت صانعي ينتظرني أمام البيت... أشغال البيت تتقدّم بسرعة كبيرة ... أعطيته بعض المال ... غيّرت ملابسي قصدت المقهى ... قابلت عشيري ... كل الناس صارت تتسابق للسلام علي ...

نصحني أن أواصل تصنّع ما يدعون ... نصف ساعة حاسبته فيها على ما أنفق من الأشغال ... بدأ يصدم من حجم لفّة النقود ... أصلا إتهمني أني كذبت عليه في كل ما قلته ... ضحكت منه وودعته ...

أصررت على التأنق ... لباس بحر لكني أنيق ... شعري مسرّح ... عطري يفوح ... حملت كمية من علب الحلوى التي إشتريتها من الطائرة كهدية لسمر وخالتها ... كنت أنوي إهدائها للعائلة ... أية عائلة ؟؟؟ تلك الشقية أولى ؟؟

سعادتهما بقدومي لا توازي فرح سمر التي أسرها مذاق الشكولاطة الأوروبية ... طبق أسماك مشوية يسيل لعابي على صدر سمر بين فتحة قدميها ...

بنطلون قماش أسود منزين بأوراق شجر خضراء ... تهفو منها نسمات إهتزاز مؤخرتها الصغيرة ...

قالت سعاد وهي تطلب مني تغيير طاولتي لشرب القهوة أني قدومي يجلب الرزق ... رحلة مختلطة تريد السهر عندها ... طلباتهم مشروبات بسيطة لكن مداخيلها تنفع أمام كساد آخر الموسم ....

طاولة منزوية بجانب ركن المطبخ ... لا يهم مادامت سمر تسامرني بوجودها ... بخار يتصاعد من فنجان قهوة ... دخان سيجارة مهملة في المطفأة ... كل جوارحي تكّز مع الصبية...

تسللت يدها نحو السيجارة وعيناها تراقب موقع خالتها ... تسرق نفسا وتغمزني أن هذا سر بيننا وتضحك ...

سعاد تراوح بين طلبات زبائنها ومجالستنا ... سمر تحاول فتح كيس حبات حلوى m&m’s ... حركة غير حذرة منها تمزق الكيس بعدها ...

تناثرت حبات الحلوى ... فوق الطاولة ... وتحتها ... تدحرجت مجموعة منها لتسقط فوق الكرسي بين فخذي ... منعني من إلتقاطها خجلي من عتاب سعاد لسمر على قلبها قهوتي وهي تطارد مفزوعة ما تسببت في بعثرته ...

دموعها وهي تمسح الطاولة قبل أن تجلس بجانبي من جهة الشرق .... تنظر بأسف لأكثر ما كان في الكيس ممرغا برمال الشاطئ ... قهوة ثانية وضعتها سعاد أمامي وهي تقول أن قلب القهوة سيجلب الخير ...

ندمت على عمر ضاع وأنا أكفر بمثل هذه المعتقدات ... الخير القادم من الشرق ... أصابع سحر تتسل فوق فخذي ثم تبحث حذرة عن حبات ربما تكون وقعت بين رجلي ... المفاجأة شلّت حركتي ...

أصابعها تطارد حبة حلوى عنيدة تدنو من كيس بيضاتي ... قشعريرة و إنقباض عضلات بطني ... دفعها للهمس

" أش لو خالتي شافتنا حتفتكر إني بلعب بزبّك " ...

نظرة تائهة في عينيها ... ماذا تفعل ... ظهر أصابعها يداعب قضيبي الذي بدأ يرفع رأسه مستجيبا بفخر للمساتها ...

عينها تتصنع أن لا شيء يحدث هنا ... وأصابعها تعبث بما صنعته الطبيعة بين رجلي ... سحبت يدها مع قدوم الفتى الذي عيّن نفسه تابعا لي ... مرحبا متفاخر أمام زميله بتقرّبه مني ... قال أنه كان يعرف انه سيجدني هنا...

جلس مكان الصبية التي إنسحبت تساعد خالتها ... ضحكت من قصة سمعتها في الطفولة عن غراب سكن عش اليمام ... أردت طرده ... أرسلته للبيت ليجلب لي كيس حلوى وصفت له مكان وجوده ...

عودته كانت أسرع مما كنت أتخيّل ... وعاد يجالسني بإنكسار ... نظرت لي سعاد بإستغراب ... كيف روضت هذا الفتى ...

سعاد التي كانت تناقش قائد الرحلة ... كانت حزينة على مداخيل وجبة عشاء ضاعت منها ... قالت أنها لم تتوقع قدومهم ولم تشتري ما يكفي من الخبز...

أمر سريع صارم للتابع أن يأخذ الدراجة ولا يعود إلا ومعه كمية من الخبز...

عادت سحر تجالسني ... وضعت كيس الحلوى الجديد أمامها... قفزت من الفرح .. قبّلت خدي ... بصمة شفتيها الحارة كقطرات ندى رطّبت تشقق جفاف سنين عمر ضاع ...

كنت أراقبها وهي تفتح الكيس بحذر ... سحبت حبّة ومصتها بين شفتيها ... تهت بين أصابعها تلحس أثر اللزوجة منهما... لسانها يطلّ كبرعم زهرة تصارع قيودا ليتفتّح ...

وضعت حبة ثانية على الطاولة ... أمسكتها بين السبابة والإبهام تقوم بتدويرها ... ثم تتبعها أين تتجه ثم تلحسها ... الثالثة تتجه نحوي مباشرة ... قضيبي ينتصب مع كل مليمتر تزحف فيه نحوي...

صوت ارتطامها بالكرسي ... أراح قلبها وخلع قلبي ... يدها تعود للعبث بقضيبي ... فتحت عينيها بتعجب وهي تتابع طوله من المنبت حتى الرأس ... همست في أذني ... أنت لا تشبه رجل الرمل أبدا ... وسحبت أصابعها تمص حلواها ...

خسرت مبالغ ضخمة في كازينوهات كان ... حظي السيء دائم يرافقني في لعبة الروليت ... لعبة الرصاصة الدوّارة التي تقتلني بها تلك الطفلة ...

محاولة على ثلاثة كانت تنجح ... تعبث أناملها بروحي قبل أن تعبث بإنتصابي ...

لو كان مسدسي بجيبي لقتلت ذلك الخادم المطيع المقرف على إختياره كيس حلوى صغير ... ذكرى صوت حكم المؤبد تعود مع صوت تكمش الكيس وهي تعصره بين يديها تعلمني أن رصيدي نفذ ...

المفروض أن قدوم تابعي بسرعة فائقة أقابله بالإمتنان لكني كرهت تفانيه ... إنتقاما منه لقطع جلستي مع سمر ... أمرته بمساعدتهما بتحضير طلبات الزبائن ...

إنتهت متعتي إلا من منظر مؤخرتها ترفل تحت قماش حريري ... طال إنتظار عودتها عبثا ... مع مغادرة مجموعة الزبائن يبدو أن حملة تنظيف كبرى ستبدأ... ودعتهما بحزن شديد ... إشارة من إبهامها أن غدا لنا لقاء ...

سحبت كرسيا ... كأس أصب به قطرات ويسكي أراجع به ما حدث لي ... وسجائر أنفث فيها صدمتي ...

كيف تغيّر هذا الجيل ؟؟؟ ما هذه الجرأة ؟؟؟ هذه الطفلة ولدت بعد سجني ... رغبتي في سبر أغوار سنين لم أعشها و رغبتي في معانقة سنين مراهقة سرقت مني تدفعني نحوها ؟؟؟

مقارنة عقيمة بين ما عشته وما أعيشه ؟؟؟ في سنها كنّا نشقى للوصول إلى الأفق كي لا تكشفنا عين ونحن نسحب نفس سيجارة ؟؟؟ لا ندخل المقهى وفيها من هو في مثل سني الآن خوفا و تقديرا ؟؟؟ وخالتها بجانبها ؟؟؟

حركتها خبيرة ... لم ترتعش لم ترتبك ... لمساتها تدلّ أنها خبيرة ؟؟

خبيرة في سن السبعة عشر ؟؟؟ في سنها كان من يمسك منا يد حبيبته يعتبر فاز بكأس العالم ؟؟؟

جرعتان من الخمر وبدأت الصور تلعب في رأسي ... كيس m&m’s يعبث به النسيم ... دفعني للإنتصاب ... صارت الحلوى بالنسبة لي كمواقع السكس ... أنفث دخان عقب سيجارتي ... وأستلقي في السرير ...

لعبة الرولات الروسية ... كان مرزاق يهدد بها كل من يفكّر بالخيانة ... مرزاق مرشدي وملهمي بالغربة ... كنا نعد لصفقة ستغييّر موازين القوى ...

حلمي أن أكون فاعلا في مهنة إختارتني ... إنتشلتني من التشرّد ... تشرّدي إنتهى بإقامة محددّة ... سرير جدي الواسع أنهى تشرّدي ... سكرتي تسحبني للنوم ... صوت ديوك تدعوني لطابور الحساب في السجن ... الأمم المتحدة لم تجمع جنسيات كما سجون فرنسا ...

ربما كنت محضوضا بالإنفرادي ... الوحدة تقتل لكنها أحسن مما كنت أسمعه ... عزائي الوحيد كان صالة الرياضة ... حولات بريدية كانت تصلني من مروان إنقطعت بعد 3 سنين لابما مات أو سجن ... أو نسيني ... قانون المافيا يمنع النسيان ...

موت مرزاق هو السبب ... أصوات العمال تدفعني للعودة للواقع ... خرجت متثاقلا أقصد الشاطئ ... اليوم سبت ... روّاد كثر يودعون الصيف في آخر نهاية أسبوع قبل عودة الدراسة ...

مقهى سعاد مفتوحة ... بل مكتظة ... تحية سريعة ... نظرة من عيني سمر تتأسف لإنشغالها ... قلت أني سأعود في الليل للعشاء ... واصلت السير حتى آخر الشاطئ ... الشاطئ الصخري آلم قدمي ...

صوت من الماء يناديني ... بحّار يجدف في مركب صيد صغير ... لم أعرفه ... زميل دراسة في الإبتدائي إنقطع مبكّرا وعمل مع والده في الصيد ... إسمه هادي جولة على سطح البحر ... آخر مرّة ركبت فيها مركبا كان يوم هجرتي ... صديقي الجديد القديم مسلّي ... فقد كلّ قواطعه ... منظره مضحك وهو يدخّن ... نصف الحروف تخرج مشوهة من لفمه ...

شباكه تئن من ثقل حملها ... قال وأنا أساعده على تسليك الأسماك منها أن وجهي يجلب الرزق ... يبدو أني أجلب الرزق للجميع إلا نفسي ..

ربط مركبه في الميناء ... تهافت عليه التجّار ... عزمني على قهوة ... تحلّق حولي البحّارة ... دفئ البساطة جميل ... رائحة السمك تفوح من ملابسهم ... ضحكهم حرّ ... دعباتهم بلا حدود ... إنتصف النهار أو زاد ...

مرقة بحر عزمني عليها صديقي ... حانوت صغير يرتق فيه شباكه ... الأسماك التي لم يبعها يأكلها... حياة بسيطة قال انه طلّق زوجته ويسكن هنا... خجلت أن أسأل عن السبب... بعد الظهر ودّعته ... الطريق من الميناء للبيت طويلة ...

نسيت المشي الحرّ ... 17 سنة في 6 أمتار مربعة ... نسيم الحرّية يعبث بروحي ... روحي تتوق للقاء سمر ... صوت منبّه سيّارة أفزعني ...

سيدّة وراء المقود ... شعرها أصفر بصبغة تبدو طبيعية... نظارات شمس نسائية سوداء تغطي نصف وجهها ... لو لم تنادني بالإسم كنت سأواصل طريقي ....

حركة ثلاثيّة ... تسحب فرامل اليد وتفتح الباب وتزيل النظّارة ... قلبي يقفز فرحا بين ذراعيها ... حضن قافز على قارعة الطريق ...

حنان الزميلة الوحيدة التي كانت مقرّبة منا ... كنا ثلاثي المرح في المعهد ...

- يخرب بيتك إنت ما بتكبرش ؟؟؟ (وضعت كف يدي في وجهها درءا للحسد) رجعت إمتى ؟؟

- من كام يوم ؟؟؟

- وما تسألش ؟؟؟

- أنا اصلا لما شفتك ما عرفتكيش ؟؟؟ إيه التغييرات دي كلّها

- الشيء لزوم الشيء ... إركب بس وحنتكلّم

سرعة السيارة كأنها لا تسير ... ركبها وأسفل رجليها من تحت تنورتها تكشف أنها إكتسبت بعض الوزن ... قالت أنها تطلّقت ... عندها ولدان يعيشان عند طليقها وقضية الحضانة لم تحسم بعد ... قالت أنها تعمل في مجال السمسرة ...

تسكن في حي راقي بالمدينة ... وتزور القرية أحيانا لما تريد إغراء زبون بهدية من الأسماك ... قالت أن علاقتها بعائلتها شبه منعدمة... أرادت معرفة أحوالي لكن وصلنا للبيت ... عرضت عليها الدخول ...

إعتذرت بإرتباطها بموعد مهم بعد قليل ... موعدنا لا مناص منه ... غدا ستتفرغ لي .. منذ الصباح ... ودعتها و دخلت بيتي ...

العمّال ينهون آخر لمساتهم ... الحديقة تبرق من العناية ... شجرة التوت مهذّبة ... البئر والحوض أعيد بناء جدرانهما ... ركن الكيف لجدي كأن لم يمر عليه زمان ... ركن الكيف هذا قصته قصّة ...

جدي وضع فيه كل فنّه ... كراسي حجرية ... طاولة نحت على سطحها موضع إبريق الشاي والفناجين ... نافورة ماء ... موقد شواء حجري ... المكان الوحيد في الحديقة لا تصله الشمس ...

المخزن مرتّب ... السور تزيّنه نباتات تلتصق به بعناية ... واجهة البيت بيضاء ... مسحت رجلي ودخلت أتملّى المنظر ... الحيطان مزينة بجليز أثري أعيد للحياة بعناية العمّال ...

الفوانيس النحاسية تلمع بأنوارها ... غرفة النوم مرتّبة رغم قدم أثاثها... غرفة الجلوس فارغة ... إلا من صورة جدي تزيّن صدرها... وحشية ومخدّة على أرضه ... مدفئة حجرية تتوسطها ... عليها رسوم منقوشة للعشاء الأخير ...

قال النجار أنه حاول إصلاح ما بها فلما يئس تخلّص منها خوفا من إنتشار السوس ... المطبخ في أبهى حلّة ربما لم يكن كذلك في حياة إحدى زوجات جدي ... الموقد لا يعمل والثلاجة تستلزم خبيرا..

الغرفتان الأخريان نظيفتان وبطبعهما لم تكونا مؤثثتين ... والحمام جاهز للإستعمال....

جلست في الشرفة أراقب البحر ... رائحة البيت العطرة تعيد الروح ... أجزيت العمال في أجرهم ... تخلّصت من الخادم المطيع المزعج بالموافقة على طلب ألحّ عيا به منذ أيّام ...

يريد أن يستعمل ركنا بالحديقة ليضع فيه مركبا تنزّه لأحد معارفه ... وافقت لن يزعجني ذلك ... ألقيت عقب سيجارتي ... وإستلقيت بالسرير ... نظري يطارد سحبا خريف تمرّ مسرعة من مربع الشباك ...

نسيم عليل سحب جفوني للأسفل ... خالي يعانقني باكيا من قيودي قبل تحوّلي للمحكمة... هو الإنسان الوحيد الذي أعتبره عائلتي ... نصائح خالي أن أعمل معه في مجال البناء ... لا قدرتي الجسدية ولا روحي أطاقت ذلك ...

هربت منه لمدينة كان ... من دفعه التشرّد للنوم على الأرصفة سيقرصه الجوع ... الجوع يساوي السرقة و السرقة تعني مطاردة اللاتيني البغيض... أقدام رجال الشرطة التي بدأت معها جولة أخرى من شهامة حيدر ليقتل مرزاق و يسجن دليل ....

نسيم بارد يلفح جلدي ... مربع الشبّاك تحوّل للأسود ... نور فوانيس مقهى سعاد يسحبني كفراشة ليل تائهة ... حزني شديد لسعادتها بكثرة زبائنها ... إعتذرت عن الجلوس كي لا أزعجها ...

هممت بالإنصراف مكسور الخاطر ... صوت سمر يناديني خافتا ... لحقتني ... جملة قصيرة موعدنا فجرا على شاطئ البحر وعادت لعملها ...

بطني تقرصني كمراهق يتنظر طلعة حبيبته في موعد سري ... سهرت في المقهى ... وجدت عشيري يلعب الورق جالسته ورفاقه... انفردنا بعدها قليلا ... سألته عن حنان كأني تذكّرتها صدفة ...

نصحني أن أتجنبها إن قابلتني ... قال أن سيرتها لم تعد تشرّف ... ضبطها زوجها تخونه مع رئيسها في العمل ... طلّقها .... قال أنه لا يشرّفه أن يعرف قحبة كما أن ذلك سيسبب له مشاكل في بيته ...

رجعت البيت متعجبا من الزمن ... حنان كانت تقاسمنا مصروفها أيام البؤس ... وإن يكن كل إنسان له ظروفه... إن كان لا يشرّفه أن يعرف قحبة إذا لماذا يتفاخر بصداقة تاجر مخدّرات ...

علبة حليب وجبن وخبز... روت جوعي ... عقارب الساعة أبت أن تتحرّك لم ينتصف الليل بعد ... كذب من قال أليس الغد لناظره لقريب ...

ما أبعدك أيها الفجر ... إستلقيت على السرير ...أترجى الزمن أن يتحرّك ... قبل أن تنفض أوّل ديك جناحيه يعلمني بقرب الفرج ... إنتفضت الطبيعة ... رياح الخريف تهب فجأة دون مقدّمات ...

غضب الطبيعة يسمع مدويا ... صارعت لغلق الشبابيك ... كل شيء يتدحرج ... براميل في الأرض المجاورة تتلوى كالصرعى ... الأشجار تنحني خوفا من البطش ... باب الحديقة الحديدي يئن ...

مع تبيّن الخيط الأبيض من الأسود ... كنت أنوي قطع صيام دام العمر كلّه ... إقتربت من الشاطئ ... لم أجده ... البحر يزحف غاضبا يهدد الأسوار والقصب والأشجار بالفيضان ...

صوت الصخور التي يسحبها الموج في إرتداده كقنابل تزلزل ليل أمة نائمة في آمان ...

تراجعت خوفا مما قد يفعله الموج بي... حوالي ساعة إنتظرت هدوء الطقس عبثا ... أصّر أن يزيد عصبيته ... مع ضوء النهار عدت أستطلع الأمر ... الماء يغمر كل الشاطئ ... لونه الرمادي يعكس إصراره على معاندة موعدي ...

يائسا على كرسي حجري بالحديقة ... سمعت صوت رقيقا ينادي ... شعرها الأسود ينير من بين فتحت الباب الحديدي ... بلهفة عاشق مجروح أسرعت افتح لها ...

إرتمت في حضني تلجأ من الرّيح ... سحبتها للبيت ... وقفت أمام المرآة تصلح شكل شعرها ... بنطال قطني أسود يرفع مؤخرتها للأعلى ... سترة سوداء تعانق وسطها يطل منها خجل جلد أسفل ظهرها ...

دخلت تكتشف البيت ... ؟؟ أعجبتها هندسته ... دخلت المطبخ ... فتحت الثلاجة الخاوية ... قالت متأسفة ... " ما عندكش حاجة تتشرب " ... دخلت تكتشف غرفة النوم ... سحبت سيجارة وأشعلتها ... فتحت كل أدراج الخزانة ...

نصيبها كان كيس شكولاطة وعلبة سجائر ... إعتذرت أن عليها الإنصراف الآن كي لا تتأخر على خالتها ... خروجها كان لقضاء شؤون لها ...

عالجت حزني بقولها ... " إستناني نصّ الليل جنب الباب " ...

جرأتها هي سبب حبي لها ... قبل مغادرتها حضنتني ... ضممتها بقوة لصدري ... تحطم مشروع نهديها على صدري ... يدي غاصت في مؤخّرتها ...

إنفلتت من يدي بخفة الأسماك ... وضعت يدها تكتشف إنتصاب قضيبي ... طبعت قبلة جافة على شفتي ... عيني تلاحق ردفيها وهي تقفز على الدرج

قالت " هو ما يصبرش لحدّ بالليل "

ما بعد الغربة ... (الدليل)

    {{#invoke:ChapterList|list}}